وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه, بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث، فإنه قال: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» , فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها؛ فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق.
فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين يقصد اتفاق الإرادة بحيث يحبه محبوبه، ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسور عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت؛ ليزداد من محاب محبوبه. والله سبحانه وتعالى قد قضى بالموت، فكل ما قضى به, فهو يريده ولابد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت, فصار الموت مرادًا للحق من وجه مكروهًا له من وجه.
وهذا حقيقة التردد وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه، وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين, كما ترجح إرادة الموت, لكن مع وجود كراهة مساءة عبده ... [1] .
(1) الفتاوى 18/ 129.