النموذج الثالث: موقف استجابة آخر من مواقف الحياة بالقرآن، في قصة الإفك التي كان فيمن خاض فيها مسطح بن أثاثة، وكانت أمه بنت خالة الصديق، وكان مسطح رجلًا فقيرًا، وكان الصديق ينفق عليه، فلما قال ما قاله في عائشة رضي الله عنها، ونزلت الآيات ببراءتها قال أبو بكر: (والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله {وَلا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] . قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا) [1] .
وهذا موضع الشاهد: {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ} «بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي» .
ما قال: كيف وقد آذاني في عرضي، ولطخ شرفي، ودنس كرامتي، لا، لم يتردد لحظة واحدة، وإنما سمع وأطاع، وطمع في رحمة الله ومغفرته.
إن الذي يحب أن يتجاوز الله عنه ينبغي أن يتجاوز عن الناس.
إن الذي يحب أن يعفو الله عنه ينبغي أن يعفو عن الناس.
{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
(1) أخرجه البخاري كتاب الشهادات ج 5.