ونحن لما صرنا نختار نفعل أو لا نفعل، صار حالنا كما هو ظاهر لكل أحد.
النموذج الثاني: لقد سجلت لنا السنة النبوية المحفوظة بحفظ الله لها ولكتابه مثالًا آخر رائعًا لبيان كيف كان يتلقى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب الله بالسمع والطاعة وسرعة الاستجابة، فروى البخاري ومسلم عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! إن الله تبارك وتعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «بخ [1] ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه [2] .
فلننظر كيف استجاب أبو طلحة - رضي الله عنه - لأمر الله بالإنفاق، وبادر إلى الخروج من أحب أمواله إليه صدقة لله تعالى.
(1) بخ: كلمة تطلق لاستحسان الأمر وتعظيمه في الخير.
(2) صحيح البخاري (1638) باب الزكاة/ صحيح مسلم باب الزكاة (1664) .