قال الوليد: وأخبرني بعض شيوخنا أنه رأى البطال وهو قافل من حجته، وكان قد شُغل بالجهاد عن الحج، وكان يسأل الله دائمًا الحج ثم الشهادة، فلم يتمكن من حجة الإسلام إلا في السنة التي استشهد فيها - رحمه الله تعالى.
وكان سبب شهادته أن «ليون» ملك الروم خرج من القسطنطينية في مائة ألف فارس، فعلم البطال بذلك، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين مالك بن شبيب بذلك، فقال له: المصلحة أن نتحصن في مدينة حرّان، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبى عليه ذلك، ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، والأبطال تحوم بين يدي البطال، ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفًا عليه من الروم.
فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطًا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم، حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم، فألقوه إلى الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون، وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب، فتحصنوا فيها، وأصبح ليون فوقف في مكان المعركة، فإذا البطال بآخر رمق، فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الأبطال. فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه، فإذا جراحه قد وصلت على مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، مُر من معك من المسلمين أن يلوا الصلاة علي ودفني، ففعل الملك ذلك، وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، وانطلق ليون على جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم. فبينما هم في تلك الشدة