وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك.
وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء.
وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع، والأتباع السادة.
وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به. وامتحن الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين.
وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم.
وكذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل وقالوا: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] ، وقالوا لنوح: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] ، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53] ، فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمي، وأنف أن يسلم ويكون مثله وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء!!» [1] .
والمقصود: أنه لا بد من الفتنة وأننا ما خلقنا إلا للامتحان والاختبار، لتتبين معادن الناس، وتنكشف سرائرهم ويتميز المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب. فالمؤمن يفتن في هذه الدنيا بأسباب
(1) «إغاثة اللهفان» (2/ 233، 234) وانظر ما قبلها.