تأمل قول نبي الله عيسى: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} ، وما فيه من أدب رفيع في خطاب الرب، ولم يقل في جوابه:"لم أقله"، وفرق شاسع بين الجوابين في حقيقة الأدب.
بينما صرَّح في نفي أن يكون قال لهم غير ما أمره به ربه من التوحيد الخالص: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} ؛ لأن في ذلك إثبات عبوديته وطاعته لمولاه، وتكذيب للنصارى في نسبة الألوهية إليه أو ادِّعاء أنه ابن الله.
-ومن رفيع أدبه وتعظيمه لله أنه (رأى رجلًا يسرقُ فقال له أسرقتَ؟ قال: كلا واللهِ الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنتُ باللهِ، وكذبتْ عيني) رواه البخاري. فهذا سارق صدَّقه نبي الله وكذَّب عينه تعظيمًا لله حين حلف له بالله، وهناك من لا يرى ولو حلفت له بأعظم الأيمان ولا يصدق إلا ما أُشرب من هواه!.
-ومن الفوائد القرآنية التي جاءت في سياق الكلام عن هذا النبي الكريم قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} ، فجاء اسم النبي -صلى الله عليه وسلم- في بشارة عيسى بصيغة التفضيل (أحمد) ليعرف النصارى ومن أرسل إليهم عيسى أن دين أحمد الذي سيرسل به أفضل وأكمل وأحسن، وأنه هو أيضًا أفضل وأحمد من جميع الرسل، وكتابه يهدي إلى التي هي أقوم.
-وفي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} .
في هذا رد على النصارى في دعوى أن المسيح أُرسل بالمحبة المطلقة العريّة من الولاء والبراء، وذلك بإيراد قصته في دعائه قومه ليكونوا أنصارًا لله في سورة الصف التي استفتحت بذكر محبة الله للذين يقاتلون في سبيله صفًا، وختمت بالدعوة إلى الانحياز إلى أنصار الله وتكثيرهم والانضمام إلى طائفتهم، ثم بيَّن لنا الله انقسام بني اسرائيل على إثر دعوة عيسى إلى طائفتين إحداهما عدوّة للأخرى. إذن في دينه موالاة ومعاداة كما في ملة إبراهيم، والمعاداة أن تكون في