فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 57

هذه بعض الفوائد القرآنية والتأملات السجونية دونتها في سجني على هامش مصحفي أحببت أن أُتحف بها إخواني ..

-تأملوا إنصاف يوسف؛ فقد ظلمه إخوانه وسرقوه من أبيه وألقوه في غيابة الجب، وباعوه بثمن بخس، وبَهَتُوه فقالوا عنه: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} ، يقصدون ما ذكره المفسرون من أنه أخذ صنمًا لجده من أمه فكسره ورماه، فتأمل كيف بهتوه فسموا إنكاره للمنكر سرقة!، فظلموه بكل ما فعلوه وقالوه ولم ينصفوه ..

ومع ذلك كان منصفًا معهم: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} ؛ فلم يُعمِّم عليهم الأخذ بل بعَّضه وحدده فقال: {مَنْ وَجَدْنَا} ، ولم يأخذهم بجريرة الفعل المنسوب لأخيهم، وتأمل عدله وصدقه ودقته وإنصافه في قوله: {مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} ، فلم يقل:"من سرق متاعنا"؛ لأن أخاه لم يسرق بل وُضع الصواع في رَحْله، وأما قول فِتيانه: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} فإنه كان عن أمره وهو أيضًا صدق وإنصاف، إذ لم يقولوا:"قد سرقتم صواع الملك"؛ لأن يوسف يعلم أنهم لم يسرقوا، فقالوا: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} وهو صدق؛ لأنهم استحقوا الوصف العام لفعلهم معه وهو صغير حين خدعوا أباه عنه فسرقوه وباعوه؛ أما أخوه فقد كان قد عرّفه بنفسه فلم يُفزعه ذلك، فكان صادقًا حتى في خصومته معهم عادلًا في تعامله وأنصفهم حتى وإن لم ينصفوه؛ لأن الإنصاف حلة الأشراف والأشراف أقل الأصناف.

-أما الخلق الكريم فقمَّتُه عفوه عنهم بقوله: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .

وبعد ذلك في مقام عِزِّه وذُلِّهم يوم خرُّوا له سُجَّدًا أضاف ذنبهم وفعلهم به إلى الشيطان ولم يضفه لهم، وأضاف إخوته إلى نفسه ولم ينفهم عنه في الخطاب فقال: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} ، وتأمل إعراضه عن ذكر سيئتهم وفعلهم به وتقريعهم في هذا المقام حيث قال: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} ، ولم يقل:"إذ أخرجني من غيابة الجب"مع أنه أصعب من السجن وقد يكون فيه هلاكه لولا لطف الله، وذلك إعراضًا عن تقريع إخوانه وذكر ما يخزيهم في مقام عزه واجتماع شملهم به، والإغضاء والتغافل عن مثل هذا من خلق الكرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت