فتأمل كيف يحفظ هذا الكافر لمروءته يد أبي بكر عليه ويتأدب ويحفظ لسانه في الرد عليه لأجل هذه اليد، رغم شدة المسبة التي سبه إياها أبو بكر، فهذا من مكارم الأخلاق التي يتعاطاها أهل المروءات ..
فليتأمل مثل هذا من ينتسبون إلى الإسلام بل وللدعوة والجهاد ثم لا يحفظون عهدًا لشيوخهم الذين تضلَّعوا من كتاباتهم وحَبَوُا ودَرَجُوا على توجيهاتهم، وعند الخصومة لم يرعوا معهم أدبًا ولا خُلُقَا ولا مروءة!
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وصف الله إبراهيم بقوله: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم:37]
هكذا أطلقها دون تحديد في أي شيء وفى، ويالها من كرامة إذ تُطلق ولا تُقيد!.
لذلك قال ابن جرير:"وفّى جميع شرائع ا? س? م وجميع ما أُمر به من الطاعة"اهـ.
وقال ابن كثير:"فقام بجميع ا? وامر، وترك جميع النواهي، وبلَّغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إمامًا يُقتدى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله"اهـ.
وهذا الثناء من قبيل ما تقدم من قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة:124] .
-فإبراهيم أتم ووفى أوامر ربه وأوقن بأخباره، وأخلص دينه لله ولهذا استحق هذا الثناء العظيم.
-وإبراهيم وفى بالتوحيد فصدع به وحققه عمليًا أتمََّ تحقيق، إذ دعا أباه وقومه كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [ا? نبياء: 51 - 56] .
-وإبراهيم وفى في البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم كما قال تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 48]