فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 57

وأما جواب قوم إبراهيم على أسئلته بقولهم: {بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} فيُسمى (الِحيْدَة) ؛ وهي طريق المهزوم في الجدل والمناظرة لأنهم كانوا بين جوابين؛ إما أن يقولوا: نعم يسمعونا وينفعونا ويضرونا فيشهد عليهم كل من سمع جوابهم بكذبهم، أو يقولوا: لا، فينفوا عن آلهتهم القدرة، وهكذا حاصرهم إبراهيم، فبأي الجوابين أجابوا كانت الحجة عليهم لإبراهيم، فحادوا عن كلامهم وعن أصل النقاش إلى جواب لا دخل له بسؤال إبراهيم فقالوا {بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} .

فلما ظهر إفلاسهم أمام حجته قرّعهم وصارحهم وواجههم ببراءته {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} .

واستثناؤه من عدائه لما يعبدون هم وآباؤهم الأقدمون بقوله {إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} ، فهذا من عدله ودقته وتحرزه أن يكون في آبائهم الأقدمين من عبد الله قبل أن تفسد عقيدة القوم وتنحرف، فتحرز من إطلاق العداوة واستثنى حتى لا تشمل معبوده الحق.

ومن الفوائد في سياق سورة الشعراء التي وردت فيها هذه الآيات أن كل الأنبياء فيها قالوا لقومهم بين يدي دعوتهم: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} إلا إبراهيم وموسى وهذا من أدبهما الجم:

-أما إبراهيم فلأن أباه كان من المخاطبين فاستحيى أن يخاطبه بذلك، فالأدب يقتضي أن لا يخاطب الابن والده بمثل هذا خصوصًا، أما بلاغ التوحيد والبراءة ومن الأصنام والشرك والتنديد فلا يتنافى مع الأدب بل هو من قمة الأدب مع رب العالمين ..

-وأما موسى فلأن فرعون رباه في قصره كما قال: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} ، فلم يكن لائقًا أن يقول له:"وما أسألك عليه من أجر"؛ لأنه لا يليق في مروءة الناس أن يقول إنسان لمن رباه وكانت له عليه يد مثل ذلك، فتأمل الخلق والأدب وحسن استعمال التعبير في محله اللائق به ..

وهذا هدي الأنبياء والصالحين وأدب أهل المروءات عمومًا، حتى الكفار منهم يمنعهم ما يكون عليهم من يد من المخاطب أن يختاروا ما يتنافى مع المروءات من خطاب وردّ، ففي صلح الحديبية لما قال عروة للنبي -صلى الله عليه وسلم-:"ما أرى حولك إلا أوباشًا خليق أن يفروا"، وقال له أبو بكر:"امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه؟"فقال:"من ذا؟"، قالوا: أبو بكر.

قال:"أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أَجْزِك بها لأجبتك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت