كان تحديدًا هنا: إعذار النملة له ولجنده إن هم حطموا من لا يدخل مساكنه من النمل، بقولها: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} ؛ فلهذا الإعذار والاعتذار قيمة ومعنى عظيم عند هذا النبي الصالح وقائد المجاهدين الموحدين آنذاك استوجب شكر الله، إذ فيه ثناء وتزكيه له ولجيشه وتبرئة ومدح حتى من الدواب.
فإن ذلك يعني أن سمعة هذا القائد وسمعة جيشه عند كل أحد أنه جيش صالح غير مفسد في الأرض، فهو لا يمكن بأيّ حال أن يقتل من لا يستحق القتل من أي ذي روح ولو كان دُوَيْبة كالنملة، اللهم إلا أن يكون ذلك خطأ {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} ، أما قتل العمد لغير المقاتل ولا الحربي ولا الصائل أو الضار المؤذي ونحوه؛ فليس قتله من هدي الجيش المسلم ولا من سبيل المجاهدين الذين يقتفون نهج الأنبياء ..
والتوفيق إلى هذا الهدي وإلى التزامه وعدم الخروج عن نهجه نعمة من الله عظيمة على المجاهدين تستحق أن يشكروا الله عليها، وأن يشكرهم الناس بل والدواب عليها فيذكروهم بخير ويدافعون عنهم ويحسنون الظن بسيرتهم وجهادهم، كما أن مخالفتها والانحراف عنها والتفريط بها، مخالفة ومفسدة يستحق صاحبها الذم لأجلها، لأنها مخالفة متعدّية لا تضر بالبلاد والعباد وحسب، بل تضر بالدين والجهاد وتشوه سمعته وتصد عنه.
وذلك كله يدل على أن الواجب على كل مجاهد في سبيل الله وكل جماعة مجاهدة أن تحرص على أن تكون سمعتها وصيتها ونهجها كهذه السمعة، فتتقي الله في كل ما لا يستحق القتل وفي كل نفس معصومة بالأمان أو بالإيمان أو بأي وصف شرعي معتبر منصوص عليه في ديننا، إن كان فعلًا يهمها أن تكون على نهج الأنبياء.
يقول الله تبارك وتعالى في قصة محاورة موسى لفرعون: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} .
هنا يرمي فرعون نبي الله موسى بالجنون على الملأ مستهزئًا به ليحرفه ويحيد به عن مسار تبليغ دعوته، ويشغله عن الدعوة إلى التوحيد بنفسه والدفاع عنها؛ فلا يلتفت موسى إلى ذلك الأذى ولا تهمه نفسه بقدر ما يهمه إبقاء المعركة والخصومة دينية، ولا يرضى أن تنقلب الخصومة إلى شخصية لأجل تبرئة نفسه؛ فلا يتوقف عند تهمة فرعون له بالجنون ولا يقطع دعوته لأجل الدفاع عن نفسه، بل يفوّت الفرصة على فرعون ولا يستجيب لاستدراجه، ويكتفي