كما قال تعالى في الذاريات: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} ، وقوله:"فراغ"؛ أي انسلّ خفية ليجهّز لهم قِراهم دون أن يُشعرهم أو يُحرجهم، وهذا من أدبه. وقوله:"فقربه إليهم"أيضًا من تحبُّبه للضيفين وحرصه على إكرامهم وعدم تكليفهم.
وقوله تعالى: {فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} فقولهم: سلاما؛ بالنصب تقديره نسلّم سلامًا أي بتقدير فعل، وقوله: سلامٌ بالرفع تقدير سلام عليكم، أي بتقدير جملة اسمية، والاسم أثبت وأقوى من الفعل، فدلَّ هذا على أن إبراهيم -عليه السلام- رد تحية الملائكة بأحسن منها؛ لأن الجملة الاسمية أدلُّ في الثبوت والدوام والاستمرار.
-ومن صفاته أنه كان صاحب قلب سليم، قال تعالى: {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} وهو القلب الخالي من الشرك والشك، ويلزم من سلامة القلب من الشرك والشك اتصافه بأضدادها، من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله، وهواه تابعًا لرضى الله.
وفي الحديث: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) .
وقال ابن القيم عن القلب السليم:"هو الذي قد سَلِم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره".
-ومن صفات إبراهيم أدبه في دعوة أبيه وإظهاره الحرص على هدايته والخوف عليه من إضلال الشيطان وعذاب النار {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا* يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ} [سورة مريم] .
تأمل تكراره مُستعطِفًا متأدِّبًا {يَا أَبَتِ} وإظهاره الخوف عليه من العذاب {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ} .