فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 57

قال الشنقيطي -رحمه الله:-"بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّ نبيه شعيبًا -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- منعه الله من الكفار، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية من قومه الذين هم كفار. وهو دليل على أن المتمسك بدينه قد يعينه الله، ويعزه بنصرة قريبه الكافر، كما بينه تعالى في مواضع أخر، كقوله في صالح وقومه: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} الآية، ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء بصالح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- إلا في حال الخفاء، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاءً وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عُصبته أنهم ما فعلوا به سوءًا، ولا شهدوا ذلك ولا حضروه خوفًا من عصبته. فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار، وقد قال تعالى لنبينا -صلى الله عليه وسلم-: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى} ، أي: آواك بأن ضمَّك إلى عمك أبي طالب. وذلك بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية، ولا صلة له بالدين البتة، فكونه -جلَّ وعلا- يمتنّ على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بإيواء أبي طالب له دليل على أن الله قد ينعم على المتمسك بدينه بنصرة قريبه الكافر، ومن ثمرات تلك العصبية النسبية قول أبي طالب:"

والله لن يَصِلُوا إليك بجمعهم ** حتى أُوسَّدَ في التراب دَفِينَا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ** أبشر بذاك وَقرَّ منه عيونا

ولهذا لما كان نبي الله لوط -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- ليس له عصبة في قومه الذين أُرسل إليهم ظهر فيه أثر عدم العصبة، بدليل قوله تعالى عنه: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} .

وهذه الآيات القرآنية تدل على أن المسلمين قد تنفعهم عصبية الكافرين. ولما ناصر بنو المطلب بن عبد مناف بني هاشم، ولم يناصرهم بنو عبد شمس بن عبد مناف، وبنو نوفل بن عبد مناف عرف النبي -صلى الله عليه وسلم- لبني المطلب تلك المناصرة التي هي عصبية نسبية لا صلة لها بالدين، فأعطاهم من خمس الغنيمة مع بني هاشم، وقال: (إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام) ومنع بني عبد شمس، وبني نوفل من خمس الغنيمة، مع أن الجميع أولاد عبد مناف بن قصي.

إلى قوله:"فهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله قد يُعين المؤمن بالكافر لتعصُّبه له، وربما كان لذلك أثر حسن على الإسلام والمسلمين، وقد يكون من منن الله على بعض أنبيائه المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) ، وفي المثل: اجتَنِ الثمار وأَلقِ الخشبة في النار."اهـ مختصرًا من (أضواء البيان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت