بل هو في حاجة إلى بيان مستفيض يستغرق هذا الكتاب كله وكتبًا أخرى كثيرة لمن يشاء!
إن عقدة الجاهلية - كل جاهلية - أنها تستنكر هدى الله، وتستحب العمى على الهدى، وتزعم أن ما هي فيه هو الخير المحض، وأن ما تُدْعَى إليه من الهدى هو الضرر والخسران!
ولا يستبين لها ما هي فيه من ضلال وانحراف وشقوة واضطراب، إلا بعد أن تهتدي.. بعد أن تخرج من الظلمات إلى النور.. بعد أن تعود إلى استقامة الفطرة على هدى الله..
ومهمتنا في هذا الكتاب أن نبين للناس ما يعانونه من ضلال وانحراف وشقوة واضطراب.. وصلة هذا كله بابتعادهم عن هدى الله..
ولن يكون الأمر سهلًا على نفوسهم ولا أفهامهم! فقد تعودت الجاهلية أن تبث في نفوس أهلها ألوانًا كثيرة من الانحراف في التصور وفي السلوك:
فهي تارة تقول لهم إنهم لا يخالفون الله فيما هم عليه من تصورات ومن سلوك! وإن الله قد أقر هذا الذي يصنعونه أو أمر به!
وتارة تقول لهم إنه لا بد لهم فيما يجري من انحراف في التصور وفي السلوك. فهو أمر"حتمي"لا يملكون رده ولا تغييره!
وهي دائمًا تفسر لهم الأمر من كل زاوية إلا الزاوية التي يجيء فيها ذكر الله وما أمر به الله! فقوة ما - من قوى الأرض - هي الباغية، وقوة ما - من قوى الأرض - ينبغي أن
تقاتل، ووضع ما ينبغي أن يعدل.. ولكن دون أن تقاس هذه القوة أو هذا الوضع بمقياس الله.. لأنه ليس داخلًا في الحساب!
وسيعجب الناس - حين يفيئون إلى أنفسهم ويتيقظون لما هم فيه - أن هذا ليس شأن الجاهلية الحديثة وحدها مع الناس! وإنما هو شأن كل جاهلية في ثنايا التاريخ!
"وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا" (1) .
(1) سورة الأعراف [28] .