الصفحة 92 من 290

حين انحرفت الجاهلية الحديثة في عبادتها لله، فلعلها لم تكن تتصور أن انحراف العقيدة سيؤثر حتمًا في تصوراتها للكون والحياة والإنسان! بل إنها - منذ البدء - لم تكن ترى في عملها ذلك انحرافًا عن الصواب!

"إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ" (1) .

ولكنا رأينا في الفصل السابق كيف تسرب هذا الانحراف في العقيدة إلى كل تصورات الجاهلية، فصارت كلها تصورات فاسدة لا تستقيم على منطق، ولا تهتدي إلى حق، وإنما تسيرها الأهواء، حتى في ذات"العلم"التجريبي، الذي يظن كثير من الناس - بوحي الجاهلية - أنه بعيد كل البعد عن الأهواء، وأنه المحك الصادق الذي يرجع إليه في المور كلها، فيبين الحق من الباطل.. بلا تحير، ولا ارتياب!

ولقد رأينا شهادات من"العلماء"أنفسهم تبين ما في هذا الاعتقاد من زيف، وتبين أن العلم لا يقطع - ولم يقطع قط - بحقيقة يقينية! وأنه مجرد احتمالات! وأنه يخضع لأهواء البشر وتصوراتهم! وذلك كله فوق أنه لا يدرس إلا"ظواهر"الأشياء!

ولكن قومًا حسبوا - بتأثير الجاهلية كذلك - أن"التصورات"قد تنحرف ثم يستقيم"السلوك".. في السياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق والفن.. لأن"النظريات"شيء و"التطبيق"شيء آخر.

النظريات تحكمها أفكار الناس أو أهواؤهم. ولكن التطبيق العملي يحكمه"الواقع"و"التجربة"وتقوم عليه التنظيمات التي تصحح منه ما يفسد أولًا بأول. فيصلح ويستقيم!

"قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" (2) .

(1) سورة الأعراف [30] .

(2) سورة الكهف [103 - 104] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت