الصفحة 147 من 290

لعل من أشد ما يفتن الناس في الجاهلية الحديثة أنها ذات"أخلاق"!

انظر إلى هذا الرجل الغربي المهذب.. إنه شخص ذو أخلاق.. إنه لا يكذب عليك ولا يغشك ولا يخادعك. إنه يحدثك في استقامة، ويعاملك بأمانة. ثم إنه مخلص في عمله، صادق النية في خدمة"وطنه".."مثال"في كل شيء..

فأما المسألة الجنسية.. فدعك منها! إنهم - هناك - لا يعتبرون لها صلة بالأخلاق! وليست العبرة بهذه النقطة.. يا ليتنا يا سيدي نفسد مثلهم، ويكون لنا أخلاق!

وسوف نتتبع هنا تاريخ الأخلاق في الجاهلية الحديثة، لنرى إن كانت سائرة في طريق الصعود أم في طريق الانحدار.. ونرى - على ضوء الواقع الحقيقي، بعيدا عن الهالات - كم بقي في العالم الغربي من أخلاق.

ولكننا نود قبل أن نسير مع خطوات التاريخ، أن نؤكد المعنى الذي أشرنا إليه أكثر من مرة من قبل: إنه لا يوجد جاهلية واحدة في التاريخ خلوا من"جميع"الأخلاق. فليس في طاقة البشرية أن تفسد كلها.. وفي كل شيء! لأن النفس البشرية لا يمكن أن تتمحض - في مجموعها - للشر. ولا بد - مهما فسدت - أن تبقى منها لمحات متناثرة من الخير هنا وهناك.. ولكن وجود هذا الخير المتناثر - في أية صورة وفي أي مجال - لا ينفي عن الجاهلية انحرافها، ولا يعفيها من النتائج الحتمية لهذا الانحراف.

وقد كانت الجاهلية العربية حافلة بألوان من"الفضائل".

كان فيها الشجاعة والإقدام، وبذل النفس رخيصة في سبيل ما تؤمن به من هدف. والكرم. والأنفة وإباء الضيم..

ولكن ذلك كله لم يعفها من كونها جاهلية. ثم لم يعفها من نتائج ضلالها. فقد كانت هذه"الفضائل"ذاتها - لبعدها عن منهج الله - تنحرف عن طريقها القويم. كانت الشجاعة والإقدام وبذل النفس تضيع في جاهلية الأخذ بالثأر، والتناصر على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت