ضلال. لا يهم إن كان الذي ينصرونه على الحق أو على الباطل. إنما"ينفرون"لهيجة القتال بمجرد استثارتهم، لا لدعم حق ولا إزالة باطل.. فكان الباطل يتراكم على الدوام! وكان الكرم ينقلب مباهاة فارغة! فذبح الذبائح وقرى الضيف.. لكي يتحدث بذكره الركبان! فإن لم يكن ركبان ولا حديث. إن كان إعانة للضعيف والمحروم - لوجه الله - فعند ذلك يدرك النفوس الشح وتمتنع عن العطاء! وكانت الأنفة وإباء الضيم تنقلب استكبارًا آثما عن اتباع الحق! فليس الحق هو الأصل وإنما هو"الأنا"الطاغية "، ولو علم صاحب"الأنا"بينه وبين نفسه أنه على ضلال!"
والجاهلية الأوربية حافلة بألوان من الفضائل في مجال التعامل الفردي: الصدق والإخلاص في العمل والاستقامة والأمانة ونظافة التعامل.. ولكنها - لبعدها عن منهج الله - تنحرف عن طريقها القويم. فقد تحولت - كما سنرى بعد لحظة - إلى فضائل"نفعية"! يتبعها من يتبعها لأنها - في مجموعها -"نافعة"في التعامل.. تجعل عجلة الحياة تسير هينة بلا احتكاك. أما حين تفقد"نفعها"فهي تفقد كذلك رصيدها عند ذلك الأوربي"الفاضل".. وتصبح في نظره حماقة"مثالية"لا تستحق الاتباع.
ولا نتعجل الحديث.. فسنتتبع - على هينة - خطوات التاريخ.
"كانت"الأخلاق الأوربية مستمدة كلها من الدين. وليس هناك مصدر للأخلاق في الحقيقة سوى الدين! والبشرية تنحرف في عقيدتها بعد أن تكون على الحق، فتنحرف معها أخلاقها. ولكن انحراف الأخلاق بطيء بطيء إلى أقصى حد.. لا يتم في جيل واحد، بل أجيال.. ومن ثم يحدث ذلك المظهر الخادع الذي خدع الجاهلية الحديثة، وخدع معها عشاقها.. أن يوجد الانحراف عن العقيدة ظاهرا، ولا يكون الانحراف عن الأخلاق قد اتضح بعد وأخذ صورته الحادة.. فيظن الناس لأول وهلة أنه لا صلة بين العقيدة والأخلاق. وأنه يمكن أن ينحرف الناس عن العقيدة ما شاءوا، ثم تظل لهم أخلاق!
وهو وهم خادع.. سببه اختلاف السرعة في الانحدار! وسببه أن النفس تحتجز رصيدها الخلقي - بحكم العادة والتقاليد - أمدا طويلا بعد أن تكون قد فقدت"الإيمان"