الصفحة 149 من 290

به كجزء من العقيدة.. وقد تحتجزه فترة - على وعي - منفصلا عن العقيدة.. على أنه شيء"ينبغي"في ذاته أن يقوم.. ولكن النتيجة الحتمية واحدة في النهاية.. إنه ما دامت العقيدة قد انحرفت فلا بد أن تنحرف الأخلاق. وما دامت الأخلاق قد انفصلت عن العقيدة، فلا بد أن تموت.

وهذا هو الذي حدث - في تدرج بطيء - في الأخلاق الأوربية، التي ما زالت بقية منها تضلل الجاهلية الحديثة عن حقيقة الواقع، فتحسب أنها ذات أخلاق.

كانت الأخلاق الأوربية ذات يوم مستمدة كلها من المعين الذي لا معين غيره للأخلاق.. معين الدين.

وكان هناك مصدران لهذا الرصيد الخلقي في أوربا: أحدهما الديانة المسيحية، والثاني هو الإسلام.

فأما الديانة المسيحية - منذ أدخلها قسطنطين في أوربا - فقد صبغت الحياة الأوربية بمُثل أخلاقية معينة، ظلت قائمة أمدًا في نفوس الناس، رغم ما دخل في هذه الديانة - على يد قسطنطين ذاته - من انحراف (1) . غير أن هذه الأخلاق كانت تتسم بصورة سلبية لا تواقع الحياة. لقد كان المسيح عليه السلام وهو يقول للناس:"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر"يقصد تطهير الأرواح من الداخل، ولم يكن قط - وهو نبي الله ورسوله - يقصد أن يبذر الذلة والخنوع في النفوس. ولكن الصبغة العامة للأخلاق االمسيحية في العصور الوسطى كانت تتسم بهذا الطابع، الذي لم يقصده - ولا شك - السيد المسيح، إنما اتكأ عليه أتباعه لظروف محلية في داخل الإمبراطورية الرومانية الجانحة إلى المادية الطاغية، والتجبر، والفساد.

ثم احتك العالم الصليبي بالعالم الإسلامي في الحروب الصليبية، ودخل الصليبيون بلادا إسلامية وأقاموا فيها فترة من الوقت، وأقاموا دويلات مؤقتة في بعض بلاد الشام.

(1) راجع شهادة دريبر الأمريكي في فصل"صفحة من التاريخ"ص 28 من هذا الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت