الفن صورة من الحياة.. ولا يملك إلا أن يكون كذلك!
وأصحاب المذاهب"الواقعية"الذين يتصايحون بأن الفن ينبغي أن يكون للواقع، وأنه لا يوجد شيء يسمى"الفن للفن".. أولئك ما كان لهم أن يتصايحوا! فالفترات ذاتها التي كان يبدو فيها أن الفن يُنْشَأ من أجل الفن لا من أجل الواقع، كان الفن فيها يعكس صورة"واقعية"من حياة الناس! فلولا أنهم - لسبب من الأسباب - قد رغبت نفوسهم في هذا اللون من الفن لما أمكن أن يوجد وأن يروج بين الناس! والرمانتيكية - كمثال - إذا كانت تمثل الهروب من الواقع، والجنوح إلى الخيال المفرط الغريب.. فليس ذلك لأن الفن كان للفن.. وإنما لأن الناس في تلك الفترة من تاريخهم كانوا يحبون الهروب من الواقع، والجنوح إلى الخيال المفرط الغريب..!
ومن ثم يكون الفن في جميع أحواله صورة من الحياة.. حتى ولو كان يمثل الهروب من واقع الحياة!
تلك مقدمة لا تعنينا - إلا بقدَر - في هذا البحث! فمجالها الأصيل هو النقد الفني (1) ! ولكنا نحتاج إليها هنا من حيث تعطينا المفتاح لفهم انحرافات الفنون الجاهلية، التي تنشأ في مجتمع جاهلي.. ولا تملك إلا أن تنحرف مع انحرافات الجاهلية. لأنها لا تملك - في أية حالة - إلا أن تكون صورة من الحياة!
(1) ناقشنا كثيرًا من المفاهيم الفنية، المستقيمة والمنحرفة، في كتاب"منهج الفن الإسلامي"وسنمر هنا بشيء من هذه القضايا، ولكن مرورًا عابرًا بما يناسب موضوع هذا الكتاب.