الصفحة 116 من 290

في الباب السابق أشرنا إلى مسألة"الملكية"وأثرها في الوضع السياسي للمجتمع. وقلنا: إننا نتخذ في وصفها ألفاظ المنطق الجاهلي ذاته! وما نريد أن نتابع هذا المنطق في طريقة تفكيره.. فهو يقلب السبب والنتيجة، أو بالأحرى يأخذ حلقة واحدة من السلسلة، ويقطعها عن تسلسلها الطبيعي في واقع الحياة البشرية. إنه يفسر الوضع السياسي بالصورة الاقتصادية. ولكنه يأبى - في جاهليته - أن يفسر الوضع الاقتصادي ذاته"بالإنسان"وما يعتقد وما يفكر.. ذلك أن الإنسان - في التفسير الجاهلي للتاريخ - تبع للوضع الاقتصادي، وليس الوضع الاقتصادي تبعًا للإنسان:

"في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس نراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى لهم عنها، وهي مستقلة عن إرادتهم.. فأسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو الذي يحدد صورة العمليات الاجتماعية والسياسية والمعنوية في الحياة. ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم، بل إن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم" [كارل ماركس] .

وقد بينا من قبل، ونحن نتحدث عن فساد التصور، مقدار ما في هذا التصور الجاهلي من الفساد، إذ يغفل قيمة الإنسان وإيجابيته الفاعلة، وينكر أن هذا الإنسان - برغباته الكامنة فيه وأشواقه الدافعة له - هو الذي اخترع"الآلة"التي يعزو إليها التفسير المادي للتاريخ كل تطور اقتصادي واجتماعي وسياسي.

وكون الآلة - بعد اختراعها - تحدث تطورًا في أساليب الحياة كلها لم يكن يدور بخلد مخترعها حين أقدم على اختراعها.. حقيقة. ولكنها لا تبرر قولة التفسير المادي بأن هذا التطور مستقل عن إرادة الإنسان. فهذا التطور - الذي لم يكن منظورًا بأكمله وقت اختراع الآلة - لا يمكن أن يجري إلا وفق الطبيعة البشرية ذاتها، بارتفاعاتها وانخفاضاتها. ولا بد أن يسير مع دروب النفس البشرية ومنحنياتها، ولا طريق له قط من خارجها! لأنه لا يعمل في الهواء! وإنما يعمل دائمًا عن طريق النفس. ومن خلال النفس!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت