الصفحة 40 من 290

لكل جاهلية في التاريخ ملامح خاصة تميزها، هي ملامح البيئة التي تعيش فيها، وملامح"الطور"الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يحيط بها، وإن كانت كلها مع ذلك تشترك في خصائص أصيلة هي التي تمنحها سمة الجاهلية على مدار التاريخ.

وسنتحدث بتفصيل واف في الفصلين القادمين عن انحرافات الجاهلية الحديثة: في التصور والسلوك. في عالم النظريات وعالم الواقع. ولكن يحسن بنا قبل هذا التفصيل أن نلم إلمامة سريعة بالملامح التي تكوّن صورة الجاهلية الحديثة، كما ألممنا في الفصل السابق بلمحة سريعة من التاريخ، تتبعنا فيها مولد هذه الجاهلية وتطوراتها خلال القرون.

كل الجاهليات لا تؤمن بالله إلإيمان الحق.

تلك هي الخصيصة الكبرى المشتركة بين كل جاهليات التاريخ. بل هي الأساس الذي تنشأ منه الجاهلية، وتنبني عليه كل الانحرافات الأخرى في التصور وفي السلوك.

إن العقيدة الصحيحة هي التي تحدد للإنسان مكانه الصحيح في الكون، وتسدد خطاه في الزمان والمكان، حيث تعين له وجهته الصائبة، وترسم له طريقه السمتقيم، فيستقيم وجدانه وسلوكه، ومشاعره وأعماله، ومبادئه وواقعه. ويصبح كله - كما ينبغي أن يكون - وحدة متماسكة متكاملة، متجهة الاتجاه الصحيح.

وحين تنحرف هذه العقيدة فلا بد أن يشمل الاضطراب كيان الإنسان كله.. كما تضطرب الإبرة المغنطيسية حين يحال بينها وبين اتجاهها المرسوم. فيتفرق الكيان الموحد، وتضطرب خطواته في الزمان والمكان. وتتوزع مشاعره وأعماله، ووجدانه وسلوكه، ومبادئه وواقعه؛ فلا يعود تلك الوحدة التي ينبغي أن يكونها، ولا يشمل كيانه الأمن والسكون اللذان يستمتع بهما في ظلال العقيدة الصحيحة والمنهج الصحيح.

وعندئذ توجد الجاهلية..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت