فالجاهلية هي الانحراف عن عبادة الله الحق، هذه العبادة التي تتمثل في التحاكم إليه وحده في أمر الحياة كله. ثم ما يترتب على هذا الانحراف من اضطراب وتوزع، وتمزق وتشتيت. اضطراب في النظم واضطراب في الأفكار. اضطراب في علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بالكون والحياة من حوله، وعلاقته بأخيه الإنسان.
ولم يحدث قط في التاريخ انحراف عن عبادة الله الحق، دون أن يتبعها انحراف في علاقات الإنسان وارتباطاته وتصوراته وأفكاره. فالعقيدة هي المنظم لذلك كله، سواء تنبه الإنسان إلى ذلك أم لم يتنبه، وأراد أم لم يرد! فإذا صحت العقيدة استقام الكيان كله، واستقامت خطواته، وإذا اضطربت العقيدة سرى إلى الكيان كله ذلك الاضطراب.
ومن الوجه الآخر لم يحدث اضطراب في الأرض مع استقامة في عبادة الله!
قد توجد العقيدة. نعم. ولكن مجرد وجودها ليس هو الفيصل في هذا الأمر. وإنما هو الوجود الحي المتحرك، الشامل المتكامل. الوجود الذي يشمل الإنسان كله، لا جزءًا منه دون جزء. يشمل مشاعره وسلوكه في ذات الوقت. يشمل مبادئه وواقعه، وتصوراته وأعماله.
وكل وضع خلاف ذلك - سواء وجدت فيه عقيدة متجهة إلى الله أم لم توجد - هو لون من الجاهلية، ينطبق عليه اسم الجاهلية، وتصيبه عواقبها الحتمية التي لا تتخلف.. لأنها سنة الله.
وقد كان العرب في الجاهلية يعرفون الله، ويؤمنون بوجوده. ويتوجهون إليه.. ولكنه توجه سقيم!
يقول القرآن الكريم عن العرب في الجاهلية:
"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" (1) .
"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" (2) .
(1) سورة لقمان [25] .
(2) سورة الزخرف [87] .