أول ما يلفت النظر في الفنون الغربية أنها فنون وثنية! لا تنشأ إلا في بيئة وثنية، ولا تنشئ إلا إنسانا وثنيا في نهاية المطاف!
وفي هذه الفنون روائع"إنسانية"بارعة ولا شك.. روائع عميقة وعالية معًا، تلقي أضواء كاشفة على أغوار النفس الإنسانية، وآمالها وآلامها ومسراتها وعذاباتها.. وترتفع بالمشاعر الإنسانية إلى عالم رفيع..
ومن أجل هذه الروائع - في داخل الفن الوثني - ظن الناس أن الفن ينبغي أن يكون وثنيا! وأن الاتجاه الوثني في الفنون حلية تتحلى بها هذه الفنون.. لتحسن وتجود!
والأمر في هذه الروائع الفنية هو ذات الأمر بالنسبة لكل شيء في الجاهلية. لا يمكن أن يكون شرا خالصًا، ولا يمكن أن يكون خلوا من الخير. لأن النفس البشرية لا تستطيع بمجموعها - أن تتمحض للشر، ولا بد - مهما فسدت - أن تظل فيها قطع من الخير متناثرة هنا وهناك.
ولكن هذا الخير المتناثر لا يستطيع أن يعفيها من وصمة الجاهلية، ولا يستطيع أن يعفيها كذلك من تبعة الجاهلية.. وما يترتب على الانحراف من ازدياد مستمر يصل إلى البوار.
والظاهرة الغربية في الفن الغربي أنه - في تاريخه كله - مشغول إما"بالآلهة"وإما بصراع الآلهة والإنسان! ولست أدري الآن - فإني لم أدرس هذه الظاهرة بعد، وأرجو أن يتنبه لها غيري ويدرسها - لست أدري إلى أي حد يمكن أن تكون هذه سمة"بشرية"في الإنتاج الفني البشري: أن يكون مشغولا إلى هذا الحد بفكرتي الله، والإنسان، وما بين الله والإنسان من صلات (1) .
(1) ظاهر في الفن الهندي أنه مشغول"بفناء"الإنسان في الله.. أو في الوجود الكلي الذي يرمز إلى الله أو يحل فيه الله. ولكني لم أتبين هذا الاتجاه بوضوح في الآداب الأخرى. وأرجو - كما قلت - أن يأخذ غيري على عاتقه هذه الدراسة، فهي ظاهرة تستأهل الدراسة حقا، وربما ألقت ضوءًا كاشفًا على تاريخ الفن ودلالاته.