ومن أجل هذه الظاهرة - بصفة خاصة - ظهر الفساد في الفن الغربي.. لأنه يتتبع انحرافات العقيدة خطوة خطوة.. ويقع فيما تقع فيه العقيدة من انحرافات!
منذ بدء التاريخ الأوربي، كن الفن اليوناني يمثل - حتى في"أروع"إنتاجه - ذلك الصراع الكريه المنفر بين الآلهة وبين الإنسان.. وبين"القدر"وبين الإنسان.
كل المسرحيات اليونانية الشهيرة لا تخلو من آثار هذا الصراع..
الإنسان يريد أن يثبت ذاته. وهو لا يرى طريقة لإثبات ذاته إلا أن يصارع القدر ويصارع الآلهة.. وفي كل مرة - تقريبًا - يكون الإنسان على حق، والقدر.. أو الآلهة.. هي التي تتحكم فيه لغير شيء سوى شهوة التحكم، بلا منطق واضح ولا مبرر مفهوم!
وتقع المأساة حين يتحطم البطل - الصالح - على يد القدر، أو على يد الآلهة الجبارة التي لا ترحم، والتي تفتك بالبطل لغير معنى.. سوى عقابه على أن يتحدى الآلهة الجبارة، ويريد أن يصبح إلهًا هو الآخر، متحكما في مصير نفسه، صانعًا تاريخه بيده.. غير مصيخ للقوى الخارجية التي تُخضع بجبروتها الإنسان.
ويظل في نهاية المأساة هذا الإحساس: أن الإنسان خيّر.. ومظلوم. وأن الآلهة شريرة.. وظالمة. وأنه لا وسيلة للصلح بين الجبروت الظالم والخير المظلوم!
وفي ظل هذا التصور الجاهلي نبتت - كما قلنا -"روائع فنية"تلقي أضواء كاشفة على أغوار النفس البشرية، وترتفع معها أحيانًا إلى آفاق عليا.. ولكن الجو المسمم الذي يعطيه ذلك الصراع، يفسد هذه الروعة الفنية، ويلقي عليها ظله الكريه..
وربما كان مفهومًا - من حيث التحليل النفسي - أن يوجد مثل هذا الانحراف في طفولة البشرية التي تمثلها الفرة اليونانية.. ففي الطفولة - المنحرفة - يحب الطفل أن يثبت ذاته بان يرفض اليد"العليا"التي توجهه! كأنه يحس في ظل هذه اليد الموجهة معنى العجز والضآلة!
وأن الشخص"الكبير"لايخضع لأحد.. إلا ذات نفسه.. ومن ثم - لكي يحس أنه كبير - يخرج على توجيه الكبار.. ويتحداهم. ويحس - حين يصل الانحراف أقصاه - أن الكبار يريدون أن يحطموه ويصغروا من شأنه.. وكلما زاد خروجًا عليهم، وزادوا توجيهًا له، زاد هو نفورًا وحقدًا على هذا التوجيه.. وود لو يرد على هؤلاء الكبار بتحطيمهم أجمعين!