هذا انحراف خطر يعرفه علم النفس التحليلي معرفة وثيقة!
ولقد كان هو ذات الانحراف - أو شبيهه - الذي استولى على النفس اليونانية في جاهليتها، فأنتجت هذا السيل من الفن -"الرائع"في بعض جوانبه - والذي لا يسلم من هذا الظل الكريه الذي يلقيه الصراع البشع الدائر بين الآلهة والإنسان..
وليست أسطورة بروميثيوس وحدها هي التي تشير إلى هذا الصراع.. ولكنها جملة أساطير، سجلتها المسرحيات اليونانية في مختلف العصور..
وهو انحراف.. حتى بالنسبة للطفولة البشرية! فليس كل طفل يشعر بذلك نحو الكبار. وإنما هو في صورته السوية يبادلهم الحب. وقد يتألم أحيانًا من توجيهاهم لأنها تؤذيه في ذات نفسه - والنفس بطبيعتها تكره النقد وتحب المديح - وقد يحب كذلك أن يثبت ذاته بأن يعتمد على نفسه فيما كان يتلقى فيه العون من قبل من الكبار.. ولكن لا يصل الأمر إلى الحقد والكراهية والرغبة في التحطيم، وتصور رغبة الآخرين في تحطيمه، إلا حين يكون في الأمر انحراف..
وفي الجاهلية اليونانية كان ذلك الانحراف، الذي انعكس في فنهم واضحًا، لأن الفن صورة من النفس وصورة من الحياة..
تلك سمة من سمات الجاهلية اليونانية، في الحياة والفن..
وسمة أخرى هي عبادة الجسد..عبادة وثنية تجعل من الجسم الجميل إلهًا يعبد، وتقدم له القرابين.. ويزعم لها الزاعمون أنها ليست شهوة.. وإنما هي فن! فن يعجب بالنسب والأبعاد؛ بالجمال المجرد، وإن كان يتجسم في جسد إنسان!
وفي الجاهليات - من هذا النوع - مزاعم كثيرة.. لا تثبت للتمحيص..فواقع الحياة اليونانية - التي زعمت أنها تعبد الجمال جمالا مجردًا من شهوة الجسد - كان هذا الواقع يعج بالمباذل الخلقية التي دمرت في النهاية حضارة اليونان.. كما أن أساطير"الحب"والجمال عند الإغريق، حافلة بهذه المباذل التي يغرق فيها البشر والآلهة إلى الأذقان!
لقد كانت إذن شهوة هذا الجسد، تتستر وراء عبادة الجمال!