هذان الانحرافان الجاهليان في الجاهلية اليونانية القديمة، ألقيا ظلهما طويلا، وطويلا جدا، على الفنون الغربية منذ عصر النهضة إلى العصر الحديث..
فبعد الفترة المسيحية - القصيرة نسبيا - التي شغل الفن فيها"بالإله"على الصورة التي قدمتها الكنيسة الغربية، وامتد فيها ظل الجاهلية اليونانية والرومانية معًا في تجسيد الإله وعبادته في صورة وثن حسي ملموس، في التماثيل العديدة التي قامت لهذا الشأن (1) . بعد هذه الفترة عادت الهيلينية منذ عصر النهضة تحكم الاتجاهات الفكرية والفنية حكما واضحًا صريحًا.. وترد الناس إلى وثنية اليونان كاملة في كل شيء..
ولقد مرت على أوروبا فترة عاشت فيها بشخصية مزدوجة، مسيحية وهيلينية في ذات الوقت. مسيحية في العقيدة، وهيلينية في التفكير والفن.. ثم جنحت رويدًا رويدًا إلى الوثنية الكاملة في كل شيء..
وجاء الوقت الذي عبدت فيه أوروبا"الطبيعة"وهي هاربة من الكنيسة وإلهها الذي تستعبد به الناس!
هذه الفترة تتوافق - في تاريخ الفن الأوربي - مع الحركة الرومانتيكية.. إنها مرة أخرى فن مشغول"بالإله"ولكن على انحراف في تصور الإله!
إن الحركة الرومانتيكية لم تكن حركة"إعجاب"بالطبيعة.. وإنما كانت"عبادة"للطبيعة..
وذلك هو مصدر الانحراف فيها!
التجاوب مع الطبيعة شعور إنساني أصيل.. عميق في أعماق الفطرة. فقد خلق الإنسان وفي فطرته هذا التجاوب الحيّ مع الأحياء الآخرين ومع الكون.. كما خلق وفي فطرته هذا السرور الخفي"بالجمال": أبعاده ومقاييسه، وألوانه وظلاله، وكل صورة من صوره..
(1) مما هو جدير بالذكر أنه بعد احتكاك المسيحيين بالمسلمين في العصور الوسطى قامت في أوروبا الحركة الشهيرة المعروفة بحركة تحطيم التماثيل، التي كان رائدها ليو الثالث The Iccnoclast في القرن الثامن، واستمرت مائة وعشرين سنة من تاريخ الكنيسة الأوروبية. ولكنها لم تستطع أن تتغلب على هذه الرغبة الوثنية في تصوير"الإله"في صورة محسوسة!