الصفحة 187 من 290

وإذن فلا انحراف في"الإعجاب"بالجمال.. بل هو الأمر الطبيعي الذي يعتبر غيابه نقصًا في الكيان البشري، وانحرافًا عن الفطرة السليمة.

ولكن"عبادة"الجمال - في أية صورة من صوره - هي انحراف وثني، لا تلجأ إليه الفطرة السليمة، التي تعبد الله خالق الجمال، وتعبده من خلال الإعجاب بالجمال، ولكنها لا تجعل عبادته في داخل هذا الوثن الذي اسمه الجمال!

وفرق بين الاثنين واسع كبير!

وكل الكلام"الجميل"المعسول الذي قيل لتبرير هذه الوثنية: أن الطبيعة"محراب"الله. أن الجمال"صورة الله. أننا نعبد الله في خلقه.. إلى آخر هذه الجمل"الرومانتيكية""

البراقة.. كل هذا الكلام لا يستطيع أن يخفي تلك الروح الوثنية الغارقة في الوثنية، التي تعبد"المحسوس"في حقيقة الأمر، لأنها تعجز عن إدراك"الله"بالروح.. والروح غنية عن المحسوسات!

وقد كانت الرومانتيكية - بهذا المعنى - حركة وثنية منحرفة.. بصرف النظر عما يراه فيها"الواقعيون"من أنها كانت منحرفة لأنها لا تعيش في"الواقع"ولأنها تمثل حركة هروب من الحياة (1) .

ومن الرومانتيكية"المنحرفة" (2) انتقلت أوروبا إلى جاهلية فنية جديدة.. هي"الواقعية"المنحرفة!

(1) سبق أن بينا في مقدمة الحديث عن الفن أن الرومانتيكية لم تكن انحرافًا عن"الواقع"! فقد كان الواقع في تلك الفترة هو"الهروب".. الهروب من الكنيسة ومظالمها، والإقطاع ومظالمه.. وكل الواقع السيئ الذي كانت تعيشه أوروبا، وتعجز - في ذلك الحين - عن تغييره. فهي إذن واقعية في تصوير الحالة النفسية للناس في وقتها. وتضيف هنا أنها كانت واقعية أيضًا في تصوير"عبادة الطبيعة"التي لجأ الناس إليها هروبًا من إله الكنيسة. ولكن الانحراف الحقيقي فيها هو هذه الوثنية التي تحول عبادة الله إلى عبادة المحسوس.

(2) منحرفة بالمقاييس التي بيناها في هذا الفصل، لا بالمقايسس الفنية الأوروبية التي لا تدرك ما في طبيعتها من انحراف!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت