الصفحة 188 من 290

وكان ذلك - مرة أخرى - يمثل تحولا في العبادة، وتحولا في الإله!

بطلت عبادة الطبيعة.. حين كشفت"أسرارها"وسيطر العالم الإنساني عليها - كما تصورت أوروبا - وبردت حرارتها.. وانتقل الإنسان إلى عبادة جديدة في ظل الانقلاب الصناعي، والفتنة بالعلم ومخترعاته، والفتنة بقدرة"الإنسان".

وكانت العبادة الجديدة هي عبادة الإنسان!

لقد آن أن ينفض الإنسان عن نفسه عبادة"الله"، التي اعتنقها في فترة جهله وعجزه، وأن يصبح هو الله!

ومرة أخرى تتبع الفن الغربي الإله الجديد.. فوجه اهتمامه - بدلا من الطبيعة - إلى الإنسان!

ومرة أخرى نقول إن"الاهتمام"بالإنسان ليس في ذاته انحرافا.. في الفن أو في واقع الحياة. فمن الأمور الطبيعية البديهية أن يهتم الإنسان بنفسه، وبتصوير حياته وانفعالاته، ومشاكله وصراعاته، وجهاده وكدحه على وجه الأرض..

ولكن الانحراف هو"عبادة"الإنسان

وقد كان اهتمام الفن الأوروبي بالإنسان في هذه الفترة"تحديا"للإله!

فليس الأمر مقصورا على إبعاد الله البتة من مجال الفن، وتحريم المشاعر الدينية والأفكار"المستقيمة"على الجو الفني، بل تعداه إلى السخرية العنيفة - المقصودة - بكل شعود ديني، وبكل توجه إلى الله!

ولم يكن الأمر كذلك مقصورا على السخرية"برجال الدين"المنحرفين.. ففي وسع الفنان أن يسخر ما شاء من"رجل الدين"المنحرف، ليعيد للدين الحقيقي وقاره، ويرسخه - في صورته الصافية - في قلوب الناس ووجدانهم.

ولكن فن هذه الفترة لم يكن يسخر برجل الدين ليرد للدين الصحيح اعتباره وصفاءه وقداسته.. وإنما هو يستتر وراء رجل الدين، ليسخر في الحقيقة من مفاهيم الدين كلها، ومن"سذاجة"الإيمان بالله!

وانتشر الأدب"الإلحادي"في كل الأرض.. أدب مليء بالتوقح على الله، والسخرية من عبادة الله.. وسمي هكذا"تحررا فكريا"ليس غير..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت