وامتزج الصليبيون بالحياة الإسلامية عن كثب، وأفادوا منها الكثير.. أفادوا منها نظرة إيجابية للحياة.. مع المحافظة على"الأخلاق".
لقد كانوا يرون المسلمين - في داخل دويلاتهم - إذا أذَّن المؤذن تركوا دكاكينهم مفتوحة أو شبه مفتوحة، بكل ما فيها من البضائع الثمينة، لا يحرسها شيء، وهرعوا إلى الصلاة في المسجد.. فإذا قضيت الصلاة وعادوا إلى دكاكينهم لم يكن شيء قد سرق منها.. لأن الناس أمناء، بالإسلام.
وكانوا يرون المسلمين"أمة"مترابطة. يجمع بينهم شعور"الأمة"الواحدة - في ساعات الخطر على الأقل! - فيتعاونون، ويتوادون، ويتراحمون، ويخلص بعضهم لبعض، بصرف النظر عن الحكام.
وكانوا يرون الصانع المسلم مثالا للجد والنشاط والأمانة.. أمانته هي رأس ماله الأول. وجدّه هو رصيده الواقعي للتقدم.. ومن ثم تقدمت بينهم الصناعات وتوافر الإنتاج.
وغير ذلك من الفضائل كانوا يلمسونه في واقع المسلمين الذين احتكوا بهم.. وبخاصة"الوفاء بالعهد"أشهر ما لمسه الصليبيون في تعاملهم مع المسلمين، وعلى الأخص مع صلاح الدين.
ومن هذا الرصيد المتجمع كله، ومن حصيلة العلم الذي أخذوه عن المسلمين في المغرب والأندلس قامت النهضة الأوربية الحديثة في كل ميدان.
ولكن النهضة - لظروف بيّناها تفصيلا من قبل - قد انحرفت عن عبادة الله. وعادت وثنية.. يونانية ورومانية، وإن بقيت العقيدة رصيدا باهتا في داخل الضمير.
وهنا أضيف إلى حصيلة الأخلاق في النفس الأوربية رصيد ثالث.. هو"الفلسفة"المستمدة من الثقافة الهيلينية، ثقافة"الأبراج العاجية"ذات المُثل المعلقة في الفضاء.
وبدأ الانحراف في الأخلاق منذ ذلك الحين!