ولأن الانحراف في الأخلاق يكون بطيئا جدا وتدريجيا جدا.. لم تتبين للناس حقيقة الأمر.. عدة قرون.
لقد كان من أثر دخول الرصيد اليوناني في حصيلة الأخلاق الأوربية أنهم تصوروا أنه من الممكن - ومن المستساغ - أن تقوم المثل الأخلاقية في الفضاء.. في الأبراج العاجية، بينما السلوك الواقعي يسير في خط آخر، محكوم - كما يقولون - بالضرورات.
وهذه التفرقة بين النظرية والتطبيق، رصيد أوربي بحت، أنتجته الجاهلية الحديثة بوجه خاص، وصبغت به"أخلاقيات"العالم كله في كل مجال، فصار من المستساغ عند الناس أن يتحدثوا عن"النظرية"الأخلاقية ويستمتعوا بها في ذاتها - في عالم المثل - ثم لا يتوقعوا تطبيقها في واقع الأرض، وإنما يسيرون في هذا الواقع بحسب ما تقتضيه"الظروف"!
وفي ظل هذه الجاهلية في التصور، ولدت"المكيافيلية"التي تسم بطابعها السلوك الغربي كله. في كل مجال تجد فيه أوربا أن"المثل"لا تسعفها"بالفائدة"المطلوبة!
وبدأت المكيافيلية في السياسة...
كانت السياسة أول ما تأثر بعملية الفصل بين النظرية والتطبيق!
وسارت أوربا في السياسة على أساس أن الغاية تبرر الوسيلة! فكل وسيلة - مهما كانت قذارتها وبشاعتها - مستساغة ما دامت توصل إلى الهدف المطلوب.
وفي الداخل والخارج طبعت المكيافيلية سياسة أوربا بطابعها.
الملوك والأشراف ورجال الدين يتبعون أخس الوسائل للمحافظة على ما لهم من سلطان. والرأسمالية من بعدهم ترثهم وترث وسائلهم وتزيد عليها.. بشاعة زائدة في التواء السلوك لتحقيق المصالح غير المشروعة التي تعيش عليها.. حتى لا يعود هناك مانع في نظر الرأسمالية الأمريكية مثلا من قتل كنيدي.. للمحافظة على مستوى الأرباح!
أما في الخارج فالأمر أشد بشاعة.. الاستعمار يتوسل بكل سفالات الأرض ودناءاتها ليوطد سلطانه، ويمتص دماء الناس.. ولا يرى في ذلك انحرافًا! فالغاية تبرر الوسيلة! ولا يهم أن تكون الغاية ذاتها نظيفة.. ففي عالم المثل توجد النظافة.. لا في عالم الواقع المشهود!