الصفحة 152 من 290

وهكذا انفصلت السياسة عن الأخلاق في أوربا.. وقال الناس: لا ضير! إنها هكذا"السياسة".. لا صلة لها بالأخلاق!

كان ذلك بدء الانحراف.. ولكنه لم يكن كل الانحراف.

وخدع الناس فلم يفطنوا إلى الحقيقة.. أنه ما دامت الأخلاق قد انفصلت عن العقيدة في الله، فلن تثبت في الأرض، ولن تصمد للعقبات!

خُدِعوا.. لأنهم رأوا رصيدًا ضخما من الفضائل ما زال باقيًا في واقع الأرض.. لم يتطرق الفساد إليه.. فظنوا - مخدوعين - أن السياسة شأنها هكذا حقيقة.. لا تخضع لقواعد الأخلاق! وأن ما حدث لم يكن هدمًا للأخلاق ولا انتقاصًا من رصيدها النبيل، وإنما هي نظرة"واقعية"للأشياء، لا تحلم بالمثل المستحيلة التطبيق!

ولكن السنة الحتمية لا تتخلف! فما دامت الأخلاق قد انفصلت عن العقيدة، معينها الطبيعي الذي يجدد حيويتها، ويمنحها الإخلاص والصدق، فلا يمكن أن تثبت!

لقد استبدلت أوربا بالدين الفلسفة.. وصاغت منها قواعد أخلاقها.. أو أنها في الحقيقة - كراهية في الدين - قد أعطت ثوبًا فلسفيًا لما كان باقيًا لديها من رصيد خلقي لم يفسد بعد..

فصار الناس يمارسون الفضائل - الموروثة - ثم ينفرون من أن يحسوا بأنها مستمدة من الدين! فيفسرونها"بالواجب"أو"بالضمير"أو بكذا.. وكذا.. ويأبون أن يفسروها بالدين (1) !

ولكن هذه الأخلاق، المنفصلة عن معينها، لم يكن يمكن أن يكتب لها الدوام.

أخذ الاقتصاد - من بعد السياسة - ينفصل عن الأخلاق!

(1) انتشر هذا المفهوم - بالعدوى - في الشرق"الإسلامي!"فتجد أحدهم يقول لك: أنا لا أشرب الخمر.. ثم يسارع فيقول لك كأنه ينفي عن نفسه تهمة كريهة: لست أفعل ذلك عن تدين!! وإنما كراهة في الشراب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت