حقيقة إن الوضع الاقتصادي في أوربا كان قائمًا منذ البدء على أساس غير أخلاقي. فقد كان نظام الإقطاع المعتمد على عبيد الأرض قائمًا في الإمبراطورية الرومانية من قبل المسيحية بكل شناعاته ورذائله، ولم تستطع المسيحية - في صورتها الزائفة التي فرضها الإمبراطور قسطنطين على الإمبراطورية فرضًا، وتولت الكنيسة صياغتها حسب أهوائها - لم تستطع هذه المسيحية الكنسية المحرفة أن تخضع الوضع الاقتصادي في الإمبراطورية لقواعد الأخلاق المستمدة من الدين. بل إن الكنيسة ذاتها انقلبت بعد أجيال قليلة إلى مؤسسة إقطاعية، تمارس في ممتلكاتها كل ما يمارسه الإقطاعيون من مظالم كريهة.. باسم الدين!
ومع ذلك فقد كان الانحراف الخلقي في الاقتصاد الإقطاعي محصورًا في هذا الوضع الموروث من قبل، الذي عجزت الكنيسة المسيحية عن تعديله. واستطاعت تعاليم الدين - على الرغم مما أصابها من انحراف ومسخ - أن تجعل التعامل بالربا - مثلا - أمرا مستبشعا لا يلجأ إليه الناس في تعاملاتهم الاقتصادية إلا كارهين.
فلما جاء الانقلاب الصناعي والرأسمالية كان الناس قد بعدوا أشواطًا عن العقيدة وأشواطًا عن الأخلاق! ومن ثم لم تجد الرأسمالية الناشئة حاجزًا يحجزها عن انتهاك كل ما رغبت في انتهاكه من مبادئ الأخلاق.
الربا.. المحرّم في المسيحية - واليهودية من قبل - كان هو الأساس الذي قامت عليه الرأسمالية من أول لحظة، بكل ما يشتمل عليه من قبائح وظلم، واغتصاب للجهد المبذول، واستمتاع فاجر بالكسب الذي لم يتعب فيه آخذه، وإنما يأتيه الكسب سهلا ميسرًا وهو قاعد مستريح!
ثم كان الاستغلال البشع لجهد العمال لقاء القوت الضروري، بل لقاء أجر يقل أحيانًا عن الكفاف..
وكان استغلال الأطفال - في طفولتهم الغضة - يعملون الساعات الطويلة المنهكة لقاء دريهمات..
وكان استغلال المرأة لمضاربة الرجل وتفتيت عزيمته حين أخذ يطالب برفع الأجور وتحسين أحوال العمل.. ثم استغلالها لإرضاء شهوات الرجل الهابطة، وقهرها على بيع عرضها لقاء لقمة الخبز!