الصفحة 93 من 290

وقديمًا قال القائل:"وهل يستقيم الظل والعود أعوج؟!".

إنه وهم آخر من أهام الجاهلية!

وهمٌ يغري به ما يقع في هذه الجاهلية من خير ظاهري، وعدالة جزئية تصيب بعض الناس في بعض الأمور! فيظنون أن الأمور كلها على ما يرام!

ولقد أبرزنا من قبل كيف أن الجاهلية - أي جاهلية - لا يمكن أن تخلو من نفع يخدع الناس فيحسبون أنه خير! وهو خير زائف لأنه لا يستمد من معين الخير الحقيقي، ولا يسير على الطريق الواصل! وابرزنا كذلك أن فتنة هذه الجاهلية الحديثة هي الضخامة في الحصيلة العلمية، والضخامة في تيسيرات الحياة التي تخدع الناس بصورة الخير الظاهري، حتى ليخيل إليهم أن الخير هو الغالب، وأن الأمور على ما يرام!

ذلك أنهم - بوسائل شيطانية ضخمة كذلك - قد ضُللوا عن حقيقة الشر الذي يعيشون فيه!

ولو أدركوا ضخامة هذا الشر، ومقدار الفساد الذي يحدثه في واقع حياتهم، لأدركوا أن كل"الخير"الذي تطنطن به الجاهلية الحديثة لتواري سوآتها.. لا يزيد على فتات! وأنه خير ضائع في خضم الشر الذي تمور به الأرض.. بل لأدركوا أن الحياة البشرية ذاتها - حياتهم - مهددة بالدمار من ضخامة هذا الشر وعنفوانه، وضخامة تمكنه من الحياة الواقعية للناس!

إن هذا الشر ليس في شيء دون شيء!

إنه ليس في"الفساد الخلقي"وحده، كما يظن الذين يدافعون عن الجاهلية الحديثة، ويحاولون أن يهوّنوا من شرورها، بأنها محصورة في"شيء"من التحلل الخلقي، ولكن الحياة في بقية الميادين سليمة، بل رفيعة، بل رائعة! .. بل هي القمة التي لا مطمع لطامع بعدها في مزيد!

كلا! إنه شر شامل.. يشمل كل مناحي الحياة!

وسنبين بالتفصيل في هذا الفصل كيف امتد الفساد وكيف فعل: في السياسة. والاقتصاد. والاجتماع. والأخلاق. وعلاقات الجنسين. والفن. في كل شيء على الإطلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت