الصفحة 91 من 290

وعقليًا.. إن الجماعات والأمم التي بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم، هي على وجه الدقة الجماعات والأمم الآخذة في الضعف، والتي ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها..!" (1) "

هذه خلاصة الفساد الذي أحدثته الجاهلية الحديثة في تصورات الإنسان.

إنها لم تترك مجالًا من مجالات التصور بلا فساد.. وقد نشأت كلها من الانحراف الأعظم.. الانحراف عن عبادة الله.

وقد ظنت الجاهلية الحديثة - أكثر من أي جاهلية مضت - أن الدين مزاج شخصي لا علاقة له بواقع الحياة، لأنه علاقة بين العبد والرب. وكان هذا - في ذاته - انحرافًا جاهليا في

التصور. ولكن الواقع الذي شهدته أوروبا، وشهده العالم الذي غلبت أوروبا عليه، أن فساد العقيدة، والانحراف عن عبادة الله، لم يقبع في داخل الضمير الفردي كما ظنت الجاهلية، وإنما ألقى ظله على كل مناحي الحياة البشرية، فلم يبق منها شيء لم يصبه الانحراف الفاسد بالفساد.

إن انحراف العقيدة لا بد أن يفسد الحياة. لأن العقيدة ليست صلة بين العبد والرب منقطعة عن حقيقة الواقع. وإنما هي المشير الذي يوجه الحياة.. فحين يوجهها منذ البدء في طريق فاسد، فلا بد أن يصيبها الفساد كلها، وتذهب كلها شاردة في التيه..

ولقد رأينا كيف أفسد انحراف العقيدة تصورات البشرية.. ولكنه لم يكن فسادًا في التصور وحده! إنما هو - بصورة حتمية - فساد في التصور.. وفساد في السلوك.

(1) تعريب شفيق أسعد. منشورات مكتبة المعارف ببيروت. ص 43 - 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت