الصفحة 90 من 290

ولعل من الخير أن نختم الحديث عن الجهالية بالنفس البشرية - حقيقتها وعلاقتها - بفقرات من كتاب ألكسيس كاريل"الإنسان.. ذلك المجهول"، وهو العالم المعاصر، الذي يكتب من وحي"العلم"لا من وحي"الدين":

"وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهودًا جبارًا لكي يعرف نفسه.. ولكن بالرغم من أننا نملك كثيرًا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء، وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمنة، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا. إننا لا نفهم الإنسان ككل.. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة. وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا. فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة.."

"وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة."

"فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان غير كاف، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب".

ثم يعود فيشرح أثر هذا الجهل المطبق بحقيقة الإنسان على الحياة البشرية، الاقتصادية والاجتماعية والحضارية والفكرية.. الخ، فيقول:

"وإن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا. لقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهودات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم، ورغباتهم. وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا، إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا.."

"وهؤلاء النظريون بينوا حضارات - بالرغم من أنها رسمت لتحقيق خير الإنسان - إلا أنها تلائم فقط صورة غير كاملة أو مهوشة للإنسان."

"يجب أن يكون الإنسان مقياسًا لكل شيء. ولكن الواقع هو عكس ذلك. فهو غريب في العالم الذي ابتدعه. إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه لأنه لا يملك معرفة عملية بطبيعته. ومن ثم فإن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منها الإنسانية.. إننا قوم تعساء، لأننا ننحط أخلاقيا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت