عن طريقها، فالنتجية الحتمية أن يكون الفرد مستذلا للدلوة من أجل لقمة الخبز! لا يملك أن يعارضها لأن قوته في يدها. ولا يملك أن يحد من سلطانها لأنه سيتعرض للجوع. ويستوي أن يكون الحاكم في ظل دكتاتورية البروليتاريا طيبًا جدا وتقيا وورعًا (!!) كما تقول صحف البروليتاريا عن كل حاكم في أثناء امتلاكه للسلطة، أو وحشًا سفاحًا مجرمًا خائنًا كما تقول عنه الصحف بعد أن يموت أو يزول عنه السلطان.. يستوي أن يكون هذا وذلك.. فالدكتاتورية ليست كامنة في"شخص"الحاكم. وإنما في أساس النظام ذاته. في قيام الدولة - وحدها - بحيازة الملكية كلها، وحرمان الناس من كل طريق للقوت إلا عن طريقها.. فتستذل رقابهم بلقمة الخبز!
لقد زعمت دكتاتورية البروليتاريا - ولا شك - أنها"حررت"الناس.. القطيع.. من المذلة للإقطاع ورأس المال من أجل لقمة الخبز. نعم! ولكنها عادت ففرضت المذلة ذاتها.. المذلة من أجل لقمة الخبز.. على ذات القطيع الذي"حررته"من الإقطاع والرأسمالية. فلم يتغير في حقيقة الأمر إلا السيد المستذِل: لم يتغير إلا شكل الطاغوت.. وبقي الناس - كما هم في الجاهلية أبدًا - عبيدًا للطاغوت!
ولتلهية الناس.. تقدم لهم بعض المنافع، والعدالة الجزئية.. والمسرات!
نفس المسرات التي تقدمها دكتاتورية رأس المال!
حفلات ورقص وإباحية وتحلل.. في ذلك اصنع ما تشاء! إنها"حريتك"الشخصية!
وهكذا يقع في يد الناس - في ظل هذه الدكتاتورية وتلك - شيء من النفع الحقيقي الذي لا شك فيه، وشيء من العدالة الجزئية. وشيء من"الانبساط"!
وبهذا الفتات الذي يتساقط في أيدي الناس، تقوم هذه الدكتاتورية وتلك بتلهية الناس عن أعنف طاغوت شهدته البشرية! بينما أصحاب الطاغوت - الفئة القليلة التي تملك السلطان - تتمتع إلى درجة الفجور.
في طاغوت الرأسمالية يملك نفر من الناس - يعدون أحيانًا على الأصابع - من المال والسلطة ومباهج الحياة وترفها - الفاجر - ما تعجز عن عده الأرقام وعن تصوره الأفهام. أولئك هم"ملوك"الصناعة. ويصل سلطانهم - الفاجر - أن يقتلوا رئيس الدولة ويعملوا على أن تمر القضية بلا ضجيج!