لم يكن أكثره عن اختيار بل عن عقم استعصى علاجه. وبفحص نماذج شتى منوعة من حالات العقم اتضح أنه في الغالب لا يرجع إلى عيب عضوي ظاهر، مما دعا العلماء إلى افتراض تغير طارئ على كيان الأنثى العاملة نتيجة لانصرافها المادي والذهني والعصبي - عن قصد أو غير قصد - عن مشاغل الأمومة، ودنيا حواء، وتشبثها بمساواة الرجل، ومشاركته في ميدان عمله.
"واستند علماء الأحياء في هذا الغرض - نظريا - إلى قانون طبيعي معروف، وهو أن"الوظيفة تخلق العضو". ومعناه فيما نحن فيه أن وظيفة الأمومة هي التي خلقت في حواء خصائص مميزة للأنوثة لا بد أن تضمر تدريجيا بانصراف المرأة عن وظيفة الأمومة واندماجها فيما نسميه"عالم الرجل"."
"ثم تابع العلماء هذا الفرض، فإذا التجارب تؤيده إلى أبعد مما كان منتظرًا، وإذا بهم يعلنون - في اطمئنان مقرون بشيء من التحفظ - عن قرب ظهور"جنس ثالث"تضمر فيه خصائص الأنوثة التي رسختها الممارسة الطويلة لوظيفة حواء."
"وثارت اعتراضات.. منها: أن كثرة العاملات ينفرن من العقم ويشتهين الولد. ومنها: أن المجتمع الحديث يعترف بالعاملة الأم ويحمي حقها في العمل، ويتيح لها بحكم القانون فرصة الجمع بين شواغل الأمومة وواجبات العمل. ومنها: أن عهد المرأة بالخروج من دنياها الخاصة لا يتعدى بضعة أجيال، على حين يبلغ عمر خصائص الأنوثة فيها ما لا يحصى من دهور وأحقاب."
"وكان الرد على هذه الاعتراضات: أن اشتهاء الزوجة العاملة للولد يخالطه دائمًا الخوف من أعبائه، والإشفاق من أثر هذه الأعباء على طمأنينة مكانها في محل العمل."
"ثم إن الاعتراف بالعاملة الأم قلما يتم إلا في حدود ضيقة، تحت ضغط القانون. وما أكثر ما يجد أصحاب العمل فرصتهم لتفضيل غير الأمهات. وأما قصر عهد المرأة بالخروج، فيرد عليه بأن هذا الخروج - على قرب العهد به - قد صحبه تنبه حاد إلى المساواة بالرجل،"
وإصرار عنيد على التشبه به، مما عجل ببوادر التغيير، لعمق تأثير فكرة المساواة على أعصاب المرأة، وقوة رسوخها في ضميرها.
"وما يزال المهتمون بهذا الموضوع يرصدون التغيرات الطارئة على كيان الأنثى، ويستقرئون في اهتمام بالغ دلالات الأرقام الإحصائية لحالات العقم بين العاملات،"