ومن هذا القول - وأمثاله - استمدت الكنيسة مفاهيمها الخلقية التي فرضتها على الناس، فكانت الرهبانية التي ابتدعوها:
"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ" (1) ...
وكان الإيحاء العام أن الجنس دنس قذر في ذاته والمرأة مخلوق شيطاني دنس ينبغي الابتعاد عنه والزواج ضرورة غريزية - حيوانية - للعامة، ولكن السعيد الأتقى من استطاع أن"يرتفع"عليه ولا يتزوج.
ومضت الأمور على ذلك حينًا: مباذل شنيعة بشعة في الإمبراطورية الرومانية على اتساعها، ورهبانية واسعة الآفاق على حدود الصحارى، وفي داخل المدن، فرارًا من الفساد.
يقول"ليكي"في كتاب"تاريخ الأخلاق في أوروبا"
"كانت الدنيا في ذلك الحين تتأرجح بين الرهبانية القصوى والفجور الأقصى. وإن المدن التي ظهر فيها أكبر الزهاد كانت أسبق المدن في الخلاعة والفجور، وقد اجتمع في هذا العصر الفجور والوهم اللذان هما عدوان لشرف الإنسان وكرامته" (2) .
ويصور الكاتب النفور من فكرة"الجنس"وما حولها من علاقات - في ظل الرهبانية - فيقول:
"وكانوا يفرون من ظل النساء، ويتأثمون من قربهن والاجتماع بهن، وكانوا يعتقدون أن مصادفتهن في الطريق والتحدث إليهن - ولو كن أمهات أو أزواجًا وشقيقات - تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية".
وينقل الأستاذ أبو علي المودودي في كتابه"الحجاب"بعض أقوالهم، يقول:
"فمن نظريتهم الأولية الأساسية في هذا الشأن، أن المرأة ينبوع المعاصي، وأصل السيئة والفجور، وهي للرجل باب من أبواب جهنم، من حيث هي مصدر تحريكه وحمله على الآثام. ومنها انبجست عيون المصائب الإنسانية جمعاء، فبحسبها ندامة وخجلا أنها امرأة! وينبغي لها أن تستحي من حسنها وجمالها، لأنه سلاح إبليس الذي"
(1) سورة الحديد [27] .
(2) عن كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين لأبي الحسن الندوي.