الصفحة 244 من 290

معه! ولكن لماذا؟! لا لأن ذلك أمر حتمي وطبيعي كما يزعم التفسير الجاهلي للتاريخ. ولكن لأن الذي يحدث في واقع الأمر أن الطاغوت الذي يضع قواعد الاقتصاد - لصالح طبقة معينة على حساب سائر الناس! - هو ذاته الذي يضع قواعد الأخلاق، لصالح نفس الطبقة على حساب سائر الناس! ومن ثم يبدو للنظرة المقلوبة التي ينظر بها التفسير الجاهلي للتاريخ أن الارتباط بين الاقتصاد والأخلاق، هو ارتباط السبب والنتيجة. وحقيقة الأمر أن الارتباط القائم بينهما - في الجاهلية المنحرفة - هو توحد المصدر الذي تصدر عنه هذه وتلك.. وهو الطاغوت!

وفي منهج الله يقوم الارتباط كذلك بين السياسة والاقتصاد والاجتماع.. وبين الأخلاق! ولكنه - مرة أخرى - ليس ارتباط السبب والنتيجة كما تراه النظرة المقلوبة، نظرة التفسير الجاهلي للتاريخ، وإنما هو ارتباط المصدر الواحد الذي تصدر عنه هذه وتلك.. وهو الله!

ولا تكون الأمور إلا كذاك!

إنه مصدر واحد هو الذي يشرع للناس حياتهم بأجمعها: في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق وعلاقات الجنسين.. الخ. إما أن يكون هو الله.. وإما أن يكون هو الطاغوت!

وحين انفصلت الأخلاق في الجاهلية الأوربية الحديثة عن معينها الأصلي، وهو منهج الله، أصابها ما أصابها من انحراف.. بطيء جدا، وتدريجي جدا - لأن هذا هو الشأن في أمور الأخلاق، المرتبطة بأعماق النفس البشرية من الداخل، التي لا تتحرك ولا تمور حتى يكون السطح قد وصل إلى درجة من الاضطراب الذي لا يطاق! - ولكنه حاسم في النهاية.

انفصلت السياسة عن الأخلاق بادئ ذي بدء. ثم انفصل الاقتصاد. ثم انفصل الجنس. ثم صارت الأخلاق نفعية وأنانية، ثم.. في النهاية أخذت تتداعى هذه الأخلاق النفعية الأنانية ذاتها على يد الجيل الناشئ في الغرب.. مؤذنة بالانهيار..

ولن يحدث في أي وقت من الأوقات أن تنهار جميع الأخلاق! لن يحدث! فالنفس البشرية - بطبيعتها المزدوجة - لا يمكن أن تتمحض - بمجموعها كله - للشر. وإنما تبقى ألوان من الخير متناثرة هنا

وهناك...ولكن يحدث أن يزداد الشر حتى يصبح هو الغالب... وعندئذ ينهار البناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت