الأمر، منافحين عن الجاهلية العربية وأنها لم تكن"جاهلية"كما وصفها القرآن! فقد كان في البيئة العربية"فضائل"و"قيم"ذاتية، و"معلومات"و"حضارة"مكتسبة من الاتصال بالرومان والفرس.. مما كشفت عنه"الدراسات"الحديثة التي قام بها المستشرقون! وهم من باب أولى لا يتصورون أن تكون الجاهلية قائمة في هذا القرن العشرين، ما دام مقياسهم هو هذا المقياس!
هؤلاء وأولئك لا يدركون معنى"الجاهلية"كما هو في واقع الأمر وكما عناه القرآن!
الطيبون يحصرون مظاهر الجاهلية في الشرك الساذج والوثنية البدائية وأخذ الثأر والمفاسد الخلقية التي كانت سارية في البيئة العربية.. أي أنهم يأخذون"مظاهر"الجاهلية العربية على أنها هي"الجاهلية"ذاتها. ومن ثم يحصرونها في هذه الصورة المحدودة، في هذه الفترة المعينة من التاريخ، في هذه البقعة من الأرض في الجزيرة العربية.. ويظنون - من ثم - أنها مضت إلى غير رجعة في الزمان أو المكان!
والخبيثون يظنون أن"الجاهلية"هي مقابل ما يسمى"العلم"أو"الحضارة"أو"التقدم المادي"أو"القيم"الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية أو"الإنسانية!"ومن ثم يجهدون أنفسهم إجهادًا - مدفوعين بتلك الدوافع غير الإسلامية التي نوه بها رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم - لكي يثبتوا أن العرب لم يكونوا جهلاء، فقد كانوا يعرفون بعض المعارف. ولا متأخرين، فقد كانوا ملمين بشيء مما يسمونه الحضارة وشيء من المدنية. ولا خاوين من القيم، فقد كان لديهم من الفضائل: الكرم والشجاعة وإغاثة الملهوف وبذل النفس في سبيل الشرف أو النخوة أو الكرامة أو ما شابه ذلك من الأمور. ومن ثم فوصف القرآن لهم بالجاهلية ليس حقيقة تاريخية!! ومن ثم كذلك فالقرن العشرون في نظرهم هو قمة الارتفاع البشري الذي يمكن أن يحلم به الإنسان..
وهؤلاء وأولئك كما قلنا لا يدركون معنى"الجاهلية"كما هو في واقع الأمر، وكما عناه القرآن!
ليست الجاهلية"صورة"معينة محدودة كما يتصورها الطيبون الذين يرون أنها فترة تاريخية مضت إلى غير رجوع. إنما هي"جوهر"معين، يمكن أن يتخذ صورًا شتى،