والشريعة قضية واحدة ذات شقين، تنبعان من أصل واحد وتلتقيان في غاية واحدة والأصل والغاية هما الإيمان بالله والإسلام له.
والسمة الأولى لكل جاهلية - السمة التي تجعل منها جاهلية - هي عدم الإيمان الحق بالله أو عدم الإسلام له في أي شأن. يستوي في ذلك العقيدة والشريعة، بلا انفصال ولا افتراق.
الإيمان يقتضي إفراد الله - سبحانه - بالألوهية، والإسلام يقتضي إفراده - سبحانه - بالحاكمية.
والجاهلية تنشأ من عدم إفراد الله بالألوهية وعدم إفراده بالحاكمية. فتشرك مع الله آلهة أخرى، ولا تحكم بما أنزل الله.
وإذ كانت الجاهلية لا تحكم بما أنزل الله، فهي تتبع"الأهواء".
وتلك هي السمة الثانية لكل جاهلية، النابعة في الأصل من عدم الإيمان الحق بالله وعدم الإسلام له.
"وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ (1) ". فالقضية مترابطة: إما الإيمان بالله، الذي ينشأ عنه الإسلام له واتباع ما أنزله، وإما الجاهلية واتباع"الأهواء". وكل شرع غير شرع الله هوى.. ذلك ما قرره الله. ومصداقه هو تاريخ الحياة!
لقد اختلفت"الأهواء"من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة، ومن أمة إلى أمة. ولكنها كانت دائمًا"هوى"فريق من الناس، يحكمون به سائر الناس! ومصلحة معينة لفرد أو جماعة، يسخّر من أجلها بقية الخلق على حسب"هواه".
وشرع الله وحده هو البريء من الأهواء. لأن الله سبحانه ليست له"مصلحة"مع هذا الفريق أو ذاك:"مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (2) ".
وكل الناس خلقه بالتساوي... لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.
(1) سورة المائدة [49] .
(2) سورة الذاريات [57] .