ولكن هذه الجاهلية الحديثة تحقق للناس من النفع - بإمكانياتها العلمية والمادية - ما لم يتحقق في نوعه وكميته في كل عصور التاريخ! ومن هنا تزيغ أبصار الناس أكثر مما زاغت في أي وقت مضى.. ويحسبون أنهم مهتدون!
هذا الطغيان العنيف للجاهلية الحديثة - المتمثل في فتنة الناس بها إلى هذا الحد - ناشئ من عنف الانحراف عن منهج الله! فعلى قدر انحراف الناس تكون قوة الطاغوت.. وقد انحرف الناس في هذا العصر عن المنهج الرباني أعنف انحراف شهدته البشرية في تاريخها كله.. ومن أجل ذلك كانت قوة الطاغوت أعلى ما وصلت إليه في كل مراحل التاريخ..
والعلم والقوة والتنظيم.. وهي سمات هذا العصر وعبقرياته.. أدوات تخدم الطاغوت اليوم، لأنها بطبيعتها طاقات محايدة تخدم السيد الذي يسيطر عليها..
وفي وسع البشرية غدًا حين تهتدي إلى الله الحق، أن تستخدم هذه الأدوات كلها في سبيل الخير.. الخير الحقيقي الشامل لمجموع البشرية..
وحسب الناس - المفتونين بهذه الجاهلية الطاغية - أن يروا كم أفسدت هذه الجاهلية من أحوالهم ومشاعرهم، وكم ضيعت من فرص الخير الشامل التي كان يمكن أن تصيبهم، ليعرفوا أن كل النفع الذي تقدمه لهم الجاهلية اليوم - في عمل العلم على تيسير الحياة لهم على الأرض، وفي الخدمات الطبية والاجتماعية، و"العدالة"الجزئية التي ينالونها في هذا النظام أو ذاك - إنما هو فتات ضئيل ينثره الطاغوت على الناس ليبرر بقاءه في الأرض، ولتستنيم له عواطف"الجماهير"بينما هو يستمتع وحده بسلطان مروع يستذل به رقاب الخلق، لم يتجمع قط في أي طاغوت في التاريخ..
عند ذلك سيعرفون أنهم يعيشون في الجاهلية حقا.. وأن هذه الجاهلية ينبغي أن تزول!
وفي الفصلين القادمين نتحدث عن مدى الفساد الذي أحدثته الجاهلية في الأرض..
فساد في التصور..
وفساد في السلوك..