ومن أجل ذلك يلتبس الحق بالباطل في أذهان الناس ولا يقدرون على التمييز.
والقوة المادية كذلك من أسباب الفتنة.
وعلى الرغم من أن كل جاهلية في التاريخ كانت تستند إلى لون من ألوان القوة المادية تسند به طاغوتها وتفرضه على ضمائر الناس، بحيث يأخذون ما يقوله الطاغوت قضايا مسلمة لا تناقش - عن رهبة ورغبة! - ويتقبلون سلطانه بلا معارضة أو تفكير في المعارضة.. على الرغم من ذلك فقد كانت تلك القوى المادية في الجاهليات القديمة أقل رهبة وفتكًا وتنظيمًا مما هي اليوم. فهي اليوم ليست أموالًا جبارة فحسب، وليست أسلحة فتاكة فحسب.. بل إلى جانبها من وسائل الإعلام على نطاق واسع ما لم تعرفه البشرية في تاريخها كله، تظل تلح على أذهان الناس وضمائرهم، في الصحافة والإذاعة والسينما والتليفزيون، حتى يخيل لهم أن الباطل هو الحق، وأن الحق خيال طائر ليس له في الواقع وجود!
وكذلك ذلك القدر من الخير الظاهري والنفع الذي تحققه هذه الجاهلية للناس..
لقد كان دائمًا في كل جاهلية قدر من الخير الظاهري.. ولا يمكن أن توجد جاهلية في أية لحظة على الأرض خلو من الخير كله.. فليس ذلك من طبائع الأشياء ولا طبائع النفوس.
إن الكيان البشري - مهما فسد - لا يمكن أن يتمحض للشر في مجموعه!
قد يفعل ذلك أفراد.. يغلب عليهم الشر حتى لا يُرى فيهم وجه الخير.
ولكن مجموع البشرية لا يمكن أن يفعل ذلك. سيظل فيهم قدر من الخير في جميع الأحوال. ومن هذا القدر المتبقي في النفس البشرية - في أسوأ حالاتها - يتجمع في كل جاهلية قدر من الخير الظاهري - ظاهري لأنه لا يستند إلى"الحق"ولا ينبع من المنهج الصحيح، ومن ثم يذهب بددًا في واقع الحياة - ولكنه يزيغ أبصار الناس فيحسبون أنهم ليسوا في جاهلية.."وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ" (1) .
(1) سورة الأعراف [30] .