فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 102

والمراد به أن يغزو الكفار بلاد المسلمين، فمجاهدتهم وقتالهم حينئذٍ فرض عين بالاتفاق؛ قال ابن حزم رحمه الله تعالى:"واتفقوا - يعني العلماء - أن دفاع المشركين وأهل الكفر عن بيضة أهل الإسلام وقراهم وحصونهم وحريمهم إذا نزلوا على المسلمين فرض على الأحرار البالغين المطيقين".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم".

والمقصود من ذكر النوعين: أن النوع الأول - وهو الأصل في الجهاد - لا يجوز تركه مطلقًا إلا في حال العجز وعدم القدرة وفي هذه الحالة يجب الإعداد لقوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) ، قال شيخ الإسلام رحمه الله:"يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

وقد صار في وقتنا هذا عند حكام المسلمين (تاريخًا) ، بل وشرعت الشرائع لإبطاله وتحريمه (دوليًا) ، وهناك فرق عظيم بين تركه للعجز، وبين تركه تكاسلًا وحبًا للدنيا، وبين تركه تشريعًا أو إتباعا للتشريعات الجاهلية، فالأول جائز، والثاني محرم، والثالث كفر.

وأما النوع الثاني: وهو المسمى في وقتنا هذا (المقاومة المشروعة) ، وهو - كما سبق - من أعظم فروض الأعيان، وبهذه الاتفاقات ستنتقل هذه (المقاومة المشروعة) إلى (الإرهاب ضد الدولة) لأن دولة اليهود صارت معترفًا بها، فيصبح جهادها إرهابًا، والله المستعان.

المسألة الثانية / وهي مسألة الهدنة:

فالهدنة هي: ترك القتال بين المسلمين والكفار إلى أجلٍ، لمصلحةٍ راجحة:

وتوقيت الهدنة تكون على أحد وجهين:

الوجه الأول: أن تكون مقيدة بمدة، وهذا هو الأصل الذي يذكره الفقهاء - على اختلاف بينهم في تقدير المدة -.

الوجه الثاني: أن تكون مطلقة غير مقيدة بمدة، فهذه على صورتين:

الصورة الأولى: أن يكون العقد جائزًا - يجوز فسخه من المسلمين - فجمهور العلماء على عدم الجواز، بل يوجبون تحديد المدة، وبعض العلماء كشيخ الإسلام وابن القيم يجيزونه، وهو الراجح إن شاء الله.

والصورة الثانية: أن يكون العقد لازمًا - لا يجوز فسخه - فهذا ممنوع بالاتفاق.

وهذه الصورة الأخيرة - وهي ترك جهادهم دائمًا - هي الموجودة في هذه الاتفاقات مع اليهود وهو ما يسمى بـ (السلام الدائم) أو (الشامل) .

ومجرد ترك الجهاد بعد تعينه بدخول الكفار ديار الإسلام - كاليهود في فلسطين - كبيرة من أعظم الكبائر: قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله:"الكبيرة التسعون، والحادية والتسعون، والثانية والتسعون بعد الثلاثمائة:"تركُ الجهاد عند تعيُّنه بأن دخل الحربيون دار الإسلام أو أخَذَ مسلمًا وأمكن تخليصه منهم، ترْك الناس الجهاد من أصله، ترك أهل الإقليم تحصينَ ثغورهم بحيث يُخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين"."

و قال:"عدُّ هذه الثلاثة ظاهرٌ؛ لأن كل واحد منها يحصل به من الفساد العائد على الإسلام وأهله ما لا يُتَدارك خَرْقُهُ، وعليها يُحمل ما في هذه الآية والأحاديث من الوعيد الشديد فتأمَّلْ ذلك فإني لم أر أحدًا تَعرّض لعد ذلك مع ظهوره".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت