فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 102

وهذا الجانبُ لا بدَّ من بيانِهِ وإيضاحِهِ، وإن كانَ المُتكلِّمُ أقلَّ حظًّا في العلمِ من الحال التي وصفَ، وأبعدَ عن الكفايةِ من هؤلاءِ الرسميِّينَ، فمن الجنايةِ على الدينِ وأهلهِ أن يُقدَّمَ فاقد الأهليَّةِ للأمّة عالمًا ومُفتيًا ومُوجّهًا وقَائدًا، ويُطالبُ الناس بتعطيلِ الأحكامِ من أجلِهِ، ويُعطى من الحقوقِ ما ليسَ إلاَّ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بحجّة كونه عالمًا، ثمَّ يُسكتُ عن بيانِ حقيقةِ حالِهِ، ومقدارِ أهليَّتِهِ. ولهذا المَعلمِ تمامٌ يردُ بإذنِ اللهِ في المعلمِ الثَّالثِ.

2.المعلم الثَّانِي: الجَهلُ بالوَاقِع:

مما امتازَ به الرسميُّونَ حتّى عرفهم به القاصي والداني، واعترف به المحبُّ لهم والشَّاني، الجهل بالواقع وعدم المعرفة بالأحداث والوقائعِ، والغيابُ التامُّ عن أمورِ الأُمَّة العظام، وقلّة الاكتراث بمآسي المسلمين وما ينزل بهم من البلايا، بل عدمُ الاكتراثِ بذلك أصْلًا.

فلا يدرون ما يحدث للأمّة، ولا يتتبّعون أخبار المسلمين وما يجري لهم ويَقَعُ عليهِم، ولا لهم معرفةٌ بالحركات الإصلاحيَّةِ والجهاديَّة التي تقوم في مشارق الأرضِ ومغاربِها، ويصرِّحون إذا تكلّموا عن الحكومات الطاغوتيَّة التي تحكم بلاد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أنَّهم لا يعلمون من أخبارها شيئًا، ولا يستطيعون الحكم عليها لجهلهم التام بها، وهذا ما سمعتُهُ من بعضِهِم، وهو حال جميعِهِم، مع أهمّيَّة ذلك وحاجة الأُمَّةِ إلى معرفته، بل وإقدامهم على الكلام فيه بجهلٍ وتغليط من تكلَّم بعلمٍ والتحذير منه.

وأمَّا الأمم المتحدة، وقوانينُها وأحكامها ومللها ودولُها، والقرارات الصادرة عنها، والاجتماعات والأحداث المنبثقة منها، وبنود اتّفاقيَّاتِها، فهم صمٌّ عنها وعميٌ لا يدرون ما الأمر، مع أنَّ الحكومة العميلة من الدول المُؤسِّسة لها، ومع كون أنواع الكفر وألوانه من الحكومة العميلة في الجزيرة تابعةً لها منبثقةً عنها.

ولا تسألهم عن ثغور الإسلام وجبهاتِهِ، ومعاركه وغزواتِه، وجيوشه وحركاتِهِ؛ فهم عن هذا بمعزل، ومنزلهم غير ذاك المنزِل، وجهلهم بالواقع كجهلهم بالتأريخ، ونيّتهم للمستقبلِ كحالهم اليوم.

لذا يجدُ من يريد أن يحدّثهم عن شيءٍ من أمور المسلمين العامَّة، ويُراجعهم في الواجب تجاههم، أنّه ينعقُ بما لا يسمعُ إلاَّ دعاءً ونداءً، صمٌّ بكمٌ عميٌ في هذه المسائل فهم لا يعقلون.

3.المعلم الثالث: التهرب من تنزيل الأحكام على الواقع وبيانِ الحقّ:

{كان النَّاسُ أُمَّةً واحدةً فبعث الله النبيِّين مُبشِّرين ومُنذرين، وأنزلَ معهُم الكِتابَ بالحقِّ ليحكُمَ بينَ النَّاسِ فيما اختلفوا فيهِ} ، {فإن تنازعتُم في شيءٍ فرُدُّوه إلى الله والرسول إن كُنتم تُؤمنون بالله واليوم الآخر} ، {وكيف يُحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثمّ يتولّون من بعد ذلك} .

فالله أنزلَ الكتابَ ليُعملَ به في الواقعِ ويُنزّلَ عليهِ، ويُحكّم في أفعال الناس وأقوالهم، ويُستنار به فيما يحدثُ من أحداثٍ.

والبيانُ الَّذي أخذه الله على العلماءِ كما يشملُ الصدع بالحق والآياتِ والبيِّناتِ، يشملُ تنزيلها على الواقع وبيان حكم الله فيها، وإلاّ فالآياتُ محفوظةٌ في القراطيس والصدور، والأحاديث مزبورةٌ في الصحاح والمسانيد، فما يفعل العالم وما الحاجة إليه، إن لم يصدع بحكم الله في واقعه ويبيِّنْ ما أمر الله به وينزّله في مواضعِهِ؟

وما الفرق بين من يردِّد النصوص دون تنزيل لها وتحكيمٍ في الواقع، وأهل الكتاب الَّذين ذكر الله عنهم: {ومنهُم أُمِّيُّون لا يعلمون الكِتابَ إلاَّ أمانيَّ وإن هُم إلاَّ يظُنُّون} ، فهم لا يعلمون من الكتاب إلاّ تلاوتَه والأمنيَّة التلاوة، وهؤلاء يزيدون على الأحبار بأنَّهم يعلمون شيئًا من الكتاب وشيئًا من السنة، وشيئًا من مقالات العلماء، ومعرفتهم لها جميعِها ما هي إلاّ أمانيَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت