فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 102

إن الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أما بعد،

عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» . رواه مسلم

لقد قضى الله بحكمته وقدَّر بعدله أن يجعل الصراع قائمًا بين الحق والباطل حتى قيام الساعة، وأمر عباده المؤمنين بنصر الحق بأموالهم وأنفسهم فضلًا عن إتباعه والانقياد له، والنصرة أعلى مراتب الانقياد، فجُرِّدت لذلك سيوف مجاهدة، وأقلام متوضئة، تذود عن حمى الحق عوادي الباطل.

ومع تنوع هجمات الباطل في زماننا بين عسكرية وفكرية وإعلامية، فقد أقام الله من أحبهم وأحبوه لجلاد الباطل بالسنان، وأقعد عن ذلك أقوامًا، منهم من كره الله انبعاثه {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} ، ومنهم من أقعده العذر {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، ولئن أقعدنا العذر عن اللحاق بساحات النزال، فليس لنا عذر نلقى الله به إن لم ننصح لله ورسوله، قال ابن كثير في تفسير الآية السالفة: [فليس على هؤلاء حَرَج (أي القاعدين بعذر) إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يُثَبِّطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ] [1] ا. هـ

ألا وإن من أخطر ما يجب فيه النصح ويتأكد، هو ما يتعلق بتلك الفئة الحاكمة التي تسلطت على رقاب المسلمين و اتسع خطرها على الأمة المسلمة حتى أصبحت أشد خطر يحرف الأمة عن عقيدتها، ويمنعها بالقوة من اتباع دينها، وذلك لأنها فئة شديدة الانحراف عن منهج الإسلام شديدة السيطرة على أمور المسلمين وأرواحهم وأموالهم، وفي نفس الوقت شديدة الانتشار فلا يكاد يفلت من شرها بلد من بلاد الإسلام.

وانحراف هذه الفئة انحراف مركب، فهي فئة لا تحكم بالشريعة بالإضافة لموالاتها واستسلامها لأعداء الإسلام الخارجيين وخاصة اليهود والنصارى.

فهم قد حولوا بلاد الإسلام وخاصة في العالم العربي إلى قواعد لتموين وحشد قوات اليهود والنصارى، فالناظر إلى حال الجزيرة العربية وإمارات الخليج ومصر والأردن يراها وقد تحولت إلى قواعد ومعسكرات للدعم الإداري والفني للقوات الصليبية في قلب العالم الإسلامي، زد على ذلك أن هذه الحكومات قد سخرت جيوشها لخدمة أهداف الحملة الصليبية الجديدة على الأمة الإسلامية.

والناظر إلى ظاهرة الحكام الخارجين عن الشريعة المسيطرين على بلاد الإسلام يجدها تمتد إلى عقود سابقة من الزمان في تاريخنا المعاصر، فقد استطاع أعداء الإسلام وخاصة الأمريكيين واليهود والفرنسيين والإنجليز - عبر سلسلة من المؤامرات والعلاقات الخفية والدعم المباشر وشراء الذمم والرواتب والحسابات السرية والإفساد والتجنيد - تمكين هذه الفئة من مصائر المسلمين، وهذا تاريخ ليس مجال شرحه هنا، ولكننا نشير إلى أن القوى المعادية للإسلام استطاعت بعد الحرب العالمية الثانية أن تحتوي وتصب هذه الحكومات في قالب النظام العالمي الممثل للحلفاء المنتصرين في الحرب وهو قالب الأمم المتحدة.

(1) 2 / تفسير القرآن العظيم (4/ 198) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت