فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 102

الفصل الثالث

حقيقة علماء دولة التوحيد

العلماء الرسميون

قال شيخ الإسلام في الفتاوى (( ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله ? واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدًا كافرًا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة ) )الفتاوى ج35 ص372 - 373، ويقول الإمام ابن القيم في الفوائد: (( كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلابد أن يقول على الله غير الحق، في فتواه وحكمه وخبره وإلزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، لاسيما أهل الرياسة، و الذين يتبعون الشهوات، فإنهم لاتتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا ) ).

مكانة العالم في الشريعة:

للعالم في الشريعة المكان الَّذي لا يخفَى، حتّى استشهده الله على أعظم شهادةٍ فقال {شهدَ اللهُ أنَّه لا إله إلا هو والملائكةُ وأولوا العلم} ، وقال سبحانه: {إنَّما يخشى اللهَ من عبادِهِ العلماءُ} ، وخصَّهم بمزيدٍ من الرفعة في قوله سبحانه: {وإذا قِيْلَ انشُزوا فانشُزُوا يَرفعِ الله الَّذينَ آمنوا مِنكُم والَّذين أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ} .

والعلماء ورثة النبوّة، وحرّاس الشريعة، وعلماء هذه الأمَّةِ فيها بمنزلة أنبياء بني إسرائيلَ يسوسونهم ويبصّرونهم بدين الله عزَّ وجلَّ.

والعالم هو المبلِّغ دين الله، المُؤتمنُ على شريعة الله، الموقِّع عن ربِّ العالمين، المكلَّف بتبيان الكتاب للناس.

وأعظم أمانةٍ حُمِّلها أحدٌ أمانةُ العلماء من وراثة الأنبياء والقيامِ في مقامِهِم، فكان لمن أدَّى الأمانة أعظمُ المراتبِ وأجزلُ الثوابِ من الله سبحانَهُ، وكان على من خانَ منهم أشدُّ العقوبة، وله أسوأ الأمثال.

فضرب الله لعالم السوء في كتابِهِ مثَلَي سوءٍ ما ضربَهُما لغير العالم، {واتلُ عليهِم نبأ الَّذي آتيناهُ آياتِنا فانسلخَ منها فأتبعَهُ الشَّيطانُ فكانَ من الغَاوينَ * ولو شِئنا لرفَعناهُ بِها ولكنَّهُ أخلَدَ إلى الأَرضِ واتَّبَعَ هواهُ فمثلُهُ كمثَلِ الكَلبِ إن تَحمِل عليهِ يَلهَثْ أو تَترُكْهُ يَلهَثْ} ، {مثلُ الَّذين حُمِّلوا التَّوراةَ ثُمَّ لم يحملوها كمثلِ الحمارِ يحمِلُ أسفارًا} ، فهم بين صفتي الكلب والحمار.

ولو تأمَّلتَ ما قصَّ الله من ضلالِ بني إسرائيلَ وذمَّه عزَّ وجلَّ لهم، لوجدتَ أكثرَ الذَّمِّ فيهِ لعلمائِهِم وأحبارِهِم، الَّذين افتروا على الله الأكاذيب، واختلقوا الطرائقَ للكذب على الله وتدليس الدين على الناس.

ومن الجهل البالغِ، والبُعدِ عن فهمِ الشريعةِ ونصوصِهَا ومقاصِدِها المطالبةُ بالسُّكوتِ عن كلِّ من سُمِّي عالمًا، والمبالغةُ في تعظيمه وتحريم مراجعته فتاواه، أو الرد عليه فيما أخطأ فيه.

ويلزمُ من يقولُ بهذَا أنَّ عالم السوءِ يجبُ السكوت عنه وتركُهُ يفسد الدين والدنيا، فإن قيلَ عالمُ السُّوءِ خارجٌ من هذا، فلا بدَّ من معرفةِ عالمِ السوءِ من هو، ومعرفة العالم المعيَّنِ هل هو عالمُ سوءٍ أم لا؟ وإن مُنعَ من تتبع ما أعلنَ من أقوال، وما سلك من طرائق، وعرض ذلك على الكتاب والسنّةِ، والحكم عليه بما ينتُجُ من ذلك العرضِ، إن مُنع ذلكَ لم يمكن معرفةُ عالمِ السوء بحال، بل يبقى في الأمة يفتك بدينها وأخلاقِها، ويحرسُ أعداءها، ويزكِّي من ينوي الشر والفساد بها، باسم حرمة العالم ومكانةِ حَمَلَة الشريعة التي هو منها بريء وهي منه براء، ولو أُدخل على قومٍ من ليس منهم في النسب غضبوا ولم يرضوا بذلك ولو كان فاضلًا، فكيف يدخل في صفِّ العلماء من شبَّهه الله بالحمار والكلب.

والعالمُ بمعناه الشرعيِّ الخاصِّ، وهو المعنى المحمود لا يكون إلاَّ صادقًا صادعًا بالحقِّ، ولهذا وصف الله العلماء بخشيتِهِ حقًّا، وذكر ابن القيِّم إجماع السلف على أنّ اسم الفقيه لا يستحقُّه أحدٌ بالعلم دون العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت