وأمَّا العالم الَّذي يكتُمُ الحقّ، ويلبسُهُ بالباطِلِ، ويصدُّ عن دين اللهِ، فهو وإن كان داخلًا في مطلق اسم العالم، إلاّ أنَّه لا يسوغ تسميته بالعالم إلاّ مقيّدًا فيُقال: عالمُ سوءٍ، وعالمُ ضلالةٍ.
وقد فصَّلَ الله عزَّ وجلَّ في كتابِهِ أحوالَ عُلماء السوء أكثرَ ممّا فصَّل أحوال العلماء الصادقين، لئلاَّ يلتبس عبدُ دنياه المتّخذ دينَه أحبولةً لدنياهُ، بالعالم الَّذي عُلِّقت به الأحكامُ، وفُضِّل على سائر الأنام.
فلا يسوغُ لمن يُؤمن بالله أن يطلق اسم العالم على من ذمَّه الله وحذَّر منه، وأن يعظّمه ويأتمنه على الشريعة والعبادِ، وأماراتُ عالمِ السوء في كتاب الله ظاهرةٌ فمنها:
كتمانُ ما أخذ الله ميثاقَهُ ببيانِهِ كما في قول الله عزَّ وجلَّ: {وإذ أخذَ اللهُ ميثاقَ الَّذين أُوتوا الكتاب لتُبيِّنُنَّه للنَّاسِ ولا تكتُمُونَهُ فنبذُوهُ وراءَ ظُهُورِهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون} ، {إنَّ الَّذين يكتمون ما أنزلنا من البيِّنات والهُدى من بعد ما بيَّنَّاه للناس في الكتاب أولئكَ يلعُنُهم الله ويلعنُهم اللاعنون} .
وقد أشار الله عزَّ وجلَّ إلى عظيم جرم الكاتم لما أنزل الله من البيّنات والهدى بقوله: {من بعدِ ما بيّنّاه للناس} ، فإنَّ من الظلم العظيم أن يحبس عن الناس حقًّا لهم وهم في حاجةٍ إليه، فكيف بالهدى الذي هم أحوجُ إليهِ منهُم إلى الطعام والشراب؟، والله يخبر أنَّه بيّنه للناس في الكتاب ولكنَّ هذا الظالم يكتُمُه، والّذي كتمه هذا الظالم المبدّل بيّناتٌ، وأدلّةٌ وأماراتٌ توضح للناس السبيلَ، وتكشف الشبهة وتنير الطريقَ، وهو هدىً يهديهم به الله إلى ما هو خيرٌ لهم في كل صغيرٍ وكبيرٍ من أمر دُنياهم وآخرتِهِم، فمن كانت هذه جريمته فلا غرو أن يلعَنَهُ الله الذي ائتمنه على الكتاب فخان الأمانة، ولا عجبَ أن يلعنه اللاعنون الَّذين حبسَ عنهم الهدى وكتم عنهم البيّناتِ، وأن تناله لعنةُ كلِّ لاعنٍ؛ إذ ليسَ من معنىً يستوجبُ اللَّعنَ إلاَّ هو فيه.
وبئسَ ما اشترى هذا المشتري الَّذي نبذ كتاب الله وراء ظهرهِ، واستوجب هذه اللعنات العظيمة، وأضلَّ الناس عن علمٍ وعمدٍ، لقاءَ دراهِمَ معدودةٍ، وثمنٍ قليلٍ من الدنيا الزائلةِ.
وأشدُّ من هذا حالُُ الّذين: {يكتُبُون الكتابَ بأيدِيهِم ثمَّ يقُولونَ هذا من عندِ اللهِ ليشتروا به ثمنًا قليلًا} ، و {يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسَبُوه من الكتابِ وما هو من الكتابِ ويقولونَ هو من عند اللهِ وما هو من عندِ اللهِ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} . {ألم تر إلى الَّذين أُوتوا نصيبًا من الكتاب يُؤمنون بالجبتِ والطَّاغُوتِ ويقولون للَّذين كفروا هؤلاءِ أهدَى من الَّذينَ آمنُوا سبيلًا * أولئكَ الَّذين لعنهُمُ اللهُ ومن يلعنِ اللهُ فلن تجِدَ لهُ نصيرًا} . {فخَلَفَ من بعدِهِم خلْفٌ ورِثوا الكِتابَ يأخُذُون عَرَضَ هذا الأدنى ويقولون سيُغفرُ لنا وإن يأتِهِم عَرَضٌ مثلُهُ يأخذُوه، ألم يُؤخذ عليهِم ميثاقُ الكِتابِ أن لا يقُولوا على اللهِ إلاَّ الحقَّ؟ ودرسوا ما فيه، والدَّار الآخرة خيرٌ للَّذين يتّقون، أفلا تعقلون؟} . {ألم يأنِ للَّذين آمنوا أن تخشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ من الحقِّ ولا يكونوا كالَّذين أُوتوا الكتابَ من قبلُ فطالَ عليهِمُ الأمَدُ فقَسَت قُلُوبُهم وكثيرٌ منهم فاسِقُون} .
وهذه مقدّمةٌ بين يدي الحديثِ عن العلماء الرسميِّين في بلاد الحرمينِ، وعن كفايتِهِم المزعومة لقيادة الأمَّة، وتحمّل أمانة وراثةِ النبوَّة.
والمتكلم في الفتيا يحتاج إلى نوعين من الفقه، أحدهما الفقه عن الله وفهم نصوص الشريعة، والثاني فقه معرفة الواقع الَّذي تُنزَّل عليه الفُتيا.
وكلا هذين الجانبين ليس للعلماء الرسميِّين -في بلاد الحرمين وغيرها- منهُ ما تحصلُ به الكفايةُ المزعومةُ، وسأتجنَّبُ الحديثَ عنهم بالأسماء إذ المقصودُ الحديثُ عن صحّة وجود المرجعيَّة العلميَّة الكافية، ولا بدَّ من الحديثِ عن هذا الجانب بوضوحٍ لأهمِّيَّته وخطورةِ مُخادَعَةِ الأُمَّةِ فيهِ، ولا يَقول عاقلٌ بالسُّكوتِ عن حَقِيقةٍ أُنيطت بها أحكامٌ شرعيَّةٌ عظيمَةٌ، فكيف بما كان بهذه المنزلةِ؟
معالم الكفاية العلمية لدى العلماء الرسميين في بلاد الحرمين: