وأسأل الله أن يكون حالهم قد بلغ بهم توبة، وجعل مصابهم وأسرهم كفارة لما كان، وأن لا ينكبنا بهم بزلّة أخرى، بل نسأل الله لهم الثبات والفرج والتوبة والبيان .. {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} [1] .
فمن خلال ذلك الخرق، ومن خلال فهم الأتباع في جبهة الإنقاذ لمنهج شيوخهم، تقدّمت الجبهة للإنتخابات التشريعية بعد إعتقال الشيوخ بقيادة عبد القادر حشّاني -فرج الله عنه وهداه-، والذي سُمّي بـ (مسئول المكتب التنفيذي الوطني المؤقت لمجلس شورى جبهة الإنقاذ) ، حيث لا يزال الشيوخ ومن معهم ومن بعدهم يعتبر ذلك العمل من منجزات الجبهة ومكتسباتها، وهذا إقرار صريح لمبدأ الديمقراطيّة والتّعدّدية والتّداول على السلطة، وسيأتي بيان هذا من خلال عرض ما يصدر عنهم من معتقلهم، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
إلا أنّ الخطوة التي يمكننا إعتبارها الأولى على طريق الإنحراف العملي، والذي أوصل الإنقاذيّين إلى روما، وأقبيّة الفاتيكان، كانت بعيد حلّ الجبهة وإلغاء الإنتخابات وإنقلاب الجيش في 11\ 1\1992 ـ حيث بادرت الأحزاب العلمانيّة إثر إعلان فوز الجبهة، وقبل تحرّك الحكومة والعسكر إلى إعلان رفضها النتائج، وتحرّكت تلك الأحزاب بإيعاز من فرنسا إلى المطالبة بإلغاء النتيجة والإنتخابات، فقد طالب حزب إبن بلّة (الحركة من أجل الديمقراطية) بإلغاء نتيجة الإنتخابات وحظر الأحزاب المتسلّطة -يقصد الإنقاذ- كما ذهب حزب الطليعة الإشتراكية (الشيوعي) إلى حد المطالبة بإلغاء الإنتخابات وحظر الأحزاب (الظلاميّة) ، كما قام حزب (جبهة القوى الإشتراكيّة) الذي يتزعّمه آيت أحمد، بإجراء مسيرة ضخمة في 2\ 1\1992 للدفاع عن الديمقراطية التي يهدّدها فوز الإنقاذ، كما تحرّكت النقابات العمّالية وغيرها لمثل ذلك، كما طالبت جبهة التحرير الوطني بمثل ذلك، ومع هذا نجد أنّ حشّاني تحرّك على إثر إلغاء الإنتخابات التشريعيّة في إقامة مجموعة من التحالفات مع (جبهة التحرير الوطني) ، والتقى بأمينها العام عبد الحميد مهري، وصرّح حشّاني أن التيّار الوطني في جبهة التحير هو أقرب التيارات إلى جبهة الإنقاذ، وأنه بحصوله على 15 مقعدًا في الإنتخابات الملغاة معني بالإنتخابات ومصيرها، وكما إلتقى حشّاني بحسين آيت أحمد الذي حاز حزبه على 25 مقعدًا وتمّ اللقاء في مكتب محامي شيوخ الإنقاذ علي يحيى عبد النور وهو من حزب آيت أحمد، وقد برّر حشّاني تصرّفاته تلك بأنّ الجبهة التي حازت على 188 مقعدًا تحتاج إلى تحالف بين القوى السياسيّة التي إكتسبت (شرعيّة) !! من خلال تزكية الشعب الجزائري لها، ومن ثمّ إحداث تصادم سياسي بين هذه الكتلة (الشرعية) والمجلس الأعلى للدولة (العسكريين) الذي يعتبر في نظر هؤلاء (الشرعيين شعبيًا) غير (شرعي شعبيًا) .
(1) سورة البقرة، 160.