ويدافع أصحاب هذه الخطوة التي تُعتبر الأولى عمليًا بإتجاه روما وما تلاها من خطوات، بأنّ هذا ينسجم مع فهم الشيوخ للعمل الديمقراطي السياسي، ويذكرون أن الشيخ عبّاسي أوصى قادة الجبهة من بعده بضرورة العمل في إطار (الشرعية) لتفويت الفرصة على النظام القائم، حيث قال: (لا يمكن لمن يملكون هذا الثقل السياسي في الشارع الجزائري أن يعملوا في الكواليس) ، ولست هنا بصدد محاورة حشّاني وأصحابه وسؤالهم عن الوجه الشرعي، بل المنطقي والعقلي للجوئهم لآيت أحمد وأمثاله ولم يمض على مسيرته التي دعا لها لإستبعاد الشريعة الإسلاميّة وإلغاء الإنتخابات وحلّ الجبهة، وقادها بنفسه على رأس أكثر من مائتي ألف (200 ألف) من العلمانيين معظمهم من النساء إلا أيام قلائل، وكان قد أصدر بيانًا للدعوة للمسيرة جاء فيه: (نداء من السيَد حسين آيت أحمد: أيّها الجزائريون .. أيتها الجزائريات .. البلاد تمرّ بلحظات حرجة: الديمقراطية. الحريَات .. كلها في خطر .. مستقبل البلاد مُهدّد) .
ولست بصدد سؤاله عن إجتماعه بمهري الأمين العام لحزب جبهة التحير، نفس الحزب الذي أوصل البلاد إلى ما هم فيه، وحارب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين طوال ثلاثين سنة، بل ما يزال أقطابه من العسكريين والمخابرات يديرون المعركة إلى اليوم، وما يزال مهري يجتمع بأقطاب روما نهارًا وبزملائه العسكريين ليلًا، وكما قال تعالى {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} . [1]
لن نسأله رغم كل ما حصل عن دأبه في إستبعاد الجهاديين من قيادة الإنقاذ بعد إعتقال الشيوخ، والإبقاء على العقليات التي تناسبه، والتي تقبل وفق مفهومها أن ترسل إلى بوضياف زعيم المجلس الأعلى للدولة، والذي يديره الإنقلابيون العسكر مخاطبًا إيّاه بقوله: (أيّها المجاهد: الحمد لله الذي جعلك من المجاهدين السابقين الأوّلين في محاربة الكفر وتخليص البلاد من الإستعمار ... ) ملتمسًا عنده الإنصاف والفرج، ممّا حدا بهذا الهالك أن يصفعهم عبر وسائل الإعلام بأنّه غني عن نصائحهم. (ونصّ الرسالة مشتهر، وسننشره في بحثنا التالي -إن شاء الله- وهو بعنوان:(دراسة في فكر ومنهج ومواقف الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ) .
لسنا بصدد كلّ هذا، ولكن حتى نعلم من أين بدأت جذور روما، ونقول: إنّ هذه العقلية التي نظر لها عبّاسي، وبرّرها على بجاد وسار بها على مضض، والتي بدأها حشّاني، وتربى من خلالها أنور هدّام ورابح كبير وخريان ومن معهم، هي التي رصفت الطريق إلى أقبية روما تحت الصليب، وما تزال جسرًا غبيًا، مطيّة حمقاء للمؤامرة الكبرى، ولا تنفع هنا النوايا الحسنة، وإنّ الجاهل ليصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر.
(1) سورة البقرة، 14.