إخفاء المعلومات ليس عن العدو فقط بل وعن الصديق أيضا، وليس ذلك عن تخوين له ولكن الهدف من ذلك حصر المعلومات في أضيق دائرة ومنع تسربها للعدو ما أمكن، فإن للعدو عيونا وقد يتكلم الصديق، وفي الحكمة:"سرك من دمك فانظر أين تضعه".
ب- ومن ذلك أيضا بيعة العقبة مع الأنصار فإنها كانت سرية، وقد روى هذه البيعة ابن كثير حيث قال:"قال ابن إسحاق عن معبد عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا". اهـ [12]
وقال ابن كثير أيضا:"قال البيهقي ـ بسنده ـ عن عامر الشعبي قال: (انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم) ". اهـ [13]
ج- ومن الأدلة على ذلك أيضا هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فقد كانت سرية قال تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} [14] ، قال أبو بكر رضي الله عنه: (قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) [15] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك حين تبعهم: (أخف عنا) [16] ، إلى غير ذلك من أدلة مشروعية السرية في العمل العسكري [17] .
ويجب على كل من ينضم إلى جماعة الجهاد أن يلتزم بهذا الأصل إلا أن يطلب منه غير ذلك، وقد تلجأ الجماعة إلى العلنية المحدودة في بعض الأعمال، وخاصة فيما يتعلق بالدعوة من أجل الإعداد البشري، ويتم هذا من خلال قنوات محدودة، وإن السرية في الأعمال الجهادية هي رأس مال المجاهدين، وتوفر عليهم كثيرا من الجهد، وتمكنهم من مباغتة الخصم ومفاجأته.
ميدان عمل الجماعة:
الجماعة عالمية لسببين:
السبب الأول: أن أمة الدعوة أمة عالمية قال تبارك وتعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [18] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) [19] .
السبب الثاني: أن أمة الإجابة أمة عالمية قال تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} [20] ولقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) [21] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) [22] ، ولا تفاضل بين المسلمين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم إلا بالتقوى والعمل الصالح قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [23] ، وأيضا فإنه يجب على المسلمين نصر إخوانهم إذا حل العدو بدارهم في أي بقعة من بلاد المسلمين وهذا واجب شرعي اتفق العلماء على وجوبه [24] .